التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٢
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
١٨٣
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
١٨٤
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
١٨٥
مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٨٦
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا}.
قد ذكرنا هذا في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}.
قال قائلون: هو صلة قوله:
{ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا... } الآية [الأعراف: 177].
وقال بعضهم: فيه الوعد لرسول الله بالنصر له، والظفر على أعدائه.
والاستدراج: هو الأخذ في حال الغفلة من حيث أمن الرجل بغتة؛ كقوله:
{ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [الأعراف: 95].
وقال قائلون: الاستدراج: المكر، لكن معنى ما يضاف الاستدراج والمكر إلى الخلق غير المعنى الذي يضاف إلى الله، والجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق [والجهة التي تضاف] إلى الخلق مذمومة، والجهة التي تضاف إلى الله محمودة، وكذلك ما أضيف إلى الله من المكر، والخداع، والاستهزاء ونحوه، هو ما ذكرنا على اختلاف الجهات، والمعنى في الجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق؛ لأن الله - تعالى - يأخذهم بما يستوجبون ويستحقون بحق الجزاء والمكافأة، فلا يلحقه في ذلك ذم؛ وأما الخلق فيما بينهم يمكرون ويكيدون، لا على الاستحقاق والجزاء.
وعن الحسن في قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} قال: كلما جددوا لله معصية، جدد الله لهم نعمة؛ ليستهزءوا ويأشروا ويبطروا، ثم يهلكهم.
وقال بعضهم: يظهر لهم النعم وينسيهم الشكر.
وجائز أن يكون ما ذكر من الاستدراج والمكر والكيد عبارة عن العذاب، أي: إن أخذي إياهم وعذابي شديد؛ حيث قال: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، أي: عقوبتي شديدة.
وقوله - عز وجل -: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}.
أي: كيدوه أنتم وأمهلهم وأكيد لهم؛ كقوله:
{ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً... } الآية [الطارق: 15-16] فيخرج قوله: { وَأَكِيدُ كَيْداً } [الطارق: 16]، مخرج جزاء كيدهم؛ وكذلك قوله: { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً } [النمل: 50] أي: جزيناهم جزاء مكرهم؛ وكذلك قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ}، أي: نجزيهم جزاء استدراج وما هو عندهم كيد، وكذلك نفعل بهم ما هو عندهم مكر وخداع، وإن لم يكن من الله مكر وخداع؛ كقوله: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم: 27] أي: إعادة الشيء عندكم أهون من الابتداء، وإن كانت الإعادة والابتداء [سواء على الله؛] فعلى ذلك قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ}، {كَيْدِي مَتِينٌ} ونحوه، أي: نفعل بكم ما هو استدراج وكيد عندكم، والله أعلم.
ودل قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ} على أنه لم ينشئهم لحاجة له إليهم، أو لمنفعة له فيهم، ولكن أنشأهم لحوائج أنفسهم، ولمنافع ترجع إليهم، حتى إن عملوا نفعوا أنفسهم، وإن تركوا ضروا أنفسهم.
وقوله: {مَتِينٌ}.
قيل: شديد، أي: عقوبتي شديدة، والمتين: [هو] المحكوم القوي.
وقوله - عز وجل -: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}.
إن الكفرة كانوا ينسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجنون أحياناً، والذي حملهم على ذلك - والله أعلم - أنهم كانوا أهل العز والشرف في الدنيا، وكان لا يخالفهم أحد، ولا يستقبلهم بالمكروه إلا أحد رجلين: [رجل ذو قوة وهيبة] وله أعوان وأنصار، أو رجل به جنون؛ لأنهم كانوا يقتلون من يخالفهم في شيء من الأمر، فلما رأوا رسول الله خالفهم واستقبلهم بما يكرهون، ولم يروا معه أنصاراً ولا أعواناً ظنوا أنه لا يخالفهم إلا بجنون فيه، فنسبوه إلى الجنون لذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون نسبتهم إياه إلى الجنون لما حرم عليهم عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، وهم قد رأوا العقلاء منهم قد عبدوا الأصنام ولم يحرموا ذلك، فلما حرم ذلك عليهم ظنوا أنه إنما حرم ذلك لآفة، لذلك حملهم بالنسبة إلى الجنون، والله أعلم.
ثم عاتبهم بتركهم التفكر فيه بقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}؛ ليتبين لهم أنه ليس به جنون، وذلك يحتمل وجهين:
أنهم لو تفكروا في رسول الله بما أخبرهم من المرغوب والمرهوب والمحذور في كتابهم على غير لسانهم، واختلاف منه إلى أحد منهم، ولا تعلم - لعلموا أنه رسول، وأن ما أخبر إنما أخبر بالله. أو أن يكون قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}، أي: قد تفكروا فيه وعرفوا أن ليس به جنون؛ وكذلك في قوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....} الآية، أي: قد تفكروا في ذلك، وعرفوا أن مثل هذا لم يخلق عبثاً باطلاً؛ كما يقال: أولم تفعل كذا، أي: قد فعلت لكنهم عاندوا وكابروا آياته وحججه.
وأمكن أن يكون قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} أي: في أنفسهم، وفي أولئك الذين عبدوا من الأصنام والأوثان؛ ليظهر لهم أنهم على باطل وسفه، وليتبين لهم أن الحق هو ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، لا ما كانوا هم عليه.
وفيه دلالة أن الحق يلزم وإن كان لا يعلم ذلك إلا بالتفكر والتدبر؛ لما لحق هؤلاء من الوعيد الشديد والعقاب العظيم لما تركوا هم التفكر، وكان لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك.
وقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ} أنه ليس به جنة؛ هذا جواب من الله.
ويحتمل: لو تفكروا في صاحبهم، لعرفوا أنه ليس به جنة.
ثم أخبر أنه نذير مبين، ليس كما يقولون: إنه مجنون؛ إذ معه آيات وبراهين، فهو نذير مبين.
وقوله - عز وجل -: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ....} الآية.
يحتمل هذا على الابتداء.
ويحتمل على الصلة بالأول، وهو أنهم إذا تفكروا في ملكوت السماوات والأرض، عرفوا ألوهية الله وربوبيته؛ لما يرون من اتصال منافع بعض ببعض على بعد ما بينهما، واتساق التدبير في ذلك، فعرفوا أن ذلك كله مسخر لمن له التمييز، وأن المقصود في خلقه أهل التمييز، فإذا عرفوا ذلك عرفوا أنهم يحتاجون إلى من يعرفهم ذلك، ويعلمهم ما يحتاجون في ذلك.
ويحتمل على ابتداء الأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ}؛ ليدلهم على وحدانية [الله] وربوبيته.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}.
كأن هذا نزل فيمن عرف صدقه، لكنه عاند في تكذيبه، فقال: {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} يحذرهم؛ ليرجعوا إلى تصديقه، مخافة الخروج من الدنيا على ما هم عليه.
وقوله - عز وجل -: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}.
هذا يتوجه وجهين:
أحدهما: أنكم ممن تقبلون الأخبار والحديث، فإذا لم تقبلوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره ولم تصدقوه، فبأي حديث بعده تقبلون وتصدقون، ومعه حجج وبراهين؟ والله أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [يعني] بعد القرآن يؤمنون، وهو كما وصفه:
{ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ... } الآية [فصلت: 42]، وقال: { قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [الإسراء: 88]، فإذا لم تقبلوا هذا ولم تصدقوه وهو بالوصف الذي ذكر، وأنتم ممن تقبلون الحديث، فبأي حديث بعده تقبلون.
وجائز أن يكون قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} يريد به في الآخرة؛ يقول: إذا اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون، أي: لا حديث بعده يؤمنون به، والتأويل الآخر في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}.
وفي موضع آخر:
{ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ } [الزمر: 37]، ولو كانت الهداية الأمر والبيان على ما قاله قوم، لكان ذلك من غيره، وكذلك لو كان الإضلال والإزاغة والنهي هو التخلية، لكان ذلك يكون من غيره، وكل من أراد الله أن يهديه أضله غيره، وكل من أضله الله هداه غيره، فذلك محال مع ما في كل ما أضاف الله الإضلال إلى الخلق ذمه، وفيما أضاف الهداية إليه مدحه، ثم أضافهما جميعاً إلى نفسه؛ دل أن هنالك زيادة معنى ليس ذلك في الإضافة إلى الخلق، وهو ما ذكر في غير موضع:
إما خلق فعل الضلال من الكافر، وخلق فعل الاهتداء والإيمان من المؤمن، أو كان منه التوفيق والمعونة في الهدى، والخذلان في الكفر.
وهذان الوجهان اللذان ذكرناهما لا يكونان من الخلق، إنما يكونان من الله؛ لذلك كان معنى الإضافة إليه، وإنما يكون من الخلق الدعاء وغيره، لا ما قالته المعتزلة من البيان والأمر والنهي والتخلية؛ إذ [لا] يكون ذلك من الخلق، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} أي: من أهانه الله بالضلالة، فلا أحد يملك إكرامه بالهدى.
وقوله - عز وجل -: {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
لا ضرر يلحقه في طغيانهم؛ لذلك تركهم فيه، ودل ذلك على أنه لم ينشئهم لحاجة نفسه، ولا لدفع مضرة نفسه، ولكن لحاجة أنفسهم؛ كقوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]، وكقوله: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183]، وهو حرف الوعيد.