التفاسير

< >
عرض

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}.
قال أبو عوسجة: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}، أي: أوردهما، يقال: دلاني فلان بحبل غرور، أي: أنه زين [لك] القبيح حتى يرتكبه، وأصل التدليه من الدلو، وهو من الدعاء، أي: دعاهما بغرور، ودعاؤه إياهما بغرور، هو قوله:
{ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } [طه: 120]، وقوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}.
وقوله: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}.
فإن قيل: كيف خصّ السوءة بالذكر، ومنته في اللباس في كل البدن لا في السوءة خاصة؟ وكذلك قوله:
{ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ } [الأعراف: 26] ذكر منته فيما أنعم علينا من ستر العورة [وذلك في العورة]، وفي غيرها من البدن في دفع البرد والحرّ وغير ذلك؟!
قيل: لأن كشف العورة مستقبح في الطبع والعقل جميعاً، وأما كشف غيرها من البدن فليس هو بمستقبح في الطبع ولا في العقل، وربما يبدي المرء لغيره من البدن سوى العورة عند الحاجة، ويستر عند غير الحاجة، وأما العورة فإنه لا يبديها إلا في حال الضرورة؛ لذلك كان ما ذكر.
أو أن يقال: إن المفروض من الستر هو قدر الضرورة، والآخر يلبسه: إما بحق التجمل، وإما بحق دفع البرد والحرّ والأذى؛ لذلك [كان] تخصيصه بالذكر، وإلا المنة والنعمة عظيمة في لباس غيره من البدن.
فإن قيل: إن الله كنى عن الجماع مرة باللمس ومرة بالغشيان، وعن الخلاء بالغائط، وهو المكان الذي تقضى فيه الحوائج، وكذلك جميع ما لا يستحسن ذكره مصرحاً فإنما ذكره بالكناية، وهاهنا ذكر السوءة في العورة؟!
قيل: السوءة والعورة هما كناية، لم يذكر الفرج ولا الذكر والدبر؛ فهو كناية.
والثاني: في ذكر تخصيص السوءة؛ وذلك أن قصد الشيطان إنما كان إلى إبداء عورتهما لا غير.
ألا ترى أن ذلك لم يجعل لغير البشر عورة تستر؛ ولذلك خصّ الستر بالقبر إذا مات يقبر؛ لأجل عورته، ولا يقبر غيره من الدواب إذا هلك، ولا يستر في حال حياته؛ فخرج ذكر تخصيص السوءة لما ذكرنا أن اللعين قصد بذلك قصد إبداء عورتهما لا غير.
ألا ترى أنه قال: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} كان قصده إلى ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ}.
قال أبو عوسجة: طفقا، أي: أخذا، تقول طفقت أفعل كذا، أي: أخذت، والخصف: الخياطة في النعل والخف، وهو مستعار هاهنا.
وقال مجاهد: يخصفان، أي: يرفعان كهيئة الثوب.
وقيل: يخصفان: يغطيان.
ثم قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}.
إما حياء أحدهما من الآخر أو حياء من الله تعالى؛ ولهذا نقول: إنه يكره للرجل في الخلوة أن يكشف عورته ويبديها، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال:
"فالله أحق أن يُسْتَحيا منه" أو حياء أحدهما من الآخر؛ لما بدت لكل واحد منهما عورة صاحبه؛ ولهذا كره أبو حنيفة -رحمه الله - أن ينظر الرجل إلى فرج زوجته، والمرأة إلى فرج زوجها.
أو لما وقع بصر كل واحد منهما على عورته؛ فذلك يكره - أيضاً - أن ينظر المرء إلى فرجه.
ألا ترى أنه قال: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} ولم يقل: ليبديهما؛ فهذا يدل على أنه لا ينبغي أن ينظر إلى فرج زوجته، ولا الزوجة إلى فرجه.
وقوله - عز وجل -: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ...} الآية.
يحتمل قوله: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} وحيا أوحى إليهما على يدي ملك؛ كقوله:
{ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [التحريم: 12] أضاف إلى نفسه؛ لما ينفخ فيه بأمره؛ فعلى ذلك هذا.
أو إلهاماً؛ ألهمهما كقوله:
{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } [القصص: 7].
[وكقوله]:
{ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ } [طه: 38-39].
وكقوله:
{ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } [النحل: 68] ونحوه؛ وإنما هو إلهام.
وقوله - عز وجل -: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23].
حيث أوقعناها في الشدائد وكد العيش.
والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.
وقوله - عز وجل -: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}، قال الحسن هن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؛ بقوله:
{ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } [البقرة: 37]، قال آدم ما ذكر في الآية، وكذلك [قال نوح]: { رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ } [هود: 47]، وقال إبراهيم: { رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [إبراهيم: 41]، وقال نوح: { رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً } [نوح: 28]، بعضه خرج على الأمر، وبعضه على السؤال، وكله على الدعاء والسؤال ليس على الأمر، وإن خرج ظاهره مخرج الأمر؛ لأن الأمر ممن هو دونه لمن فوقه [دعاء وسؤال، وممن هو فوقه لمن دونه] أمر، لو أن ملكاً من الملوك [إذا أمر بعض خدمه بأمر أو بعض رعيته فهو أمر] وإذا أمره بعضُ خدمه أو رعيته - الأميرَ - شيئاً، فهو ليس بأمر، ولكنه سؤال ودعاء؛ فعلى ذلك دعاء الأنبياء - عليهم السلام - ربهم.
فإن قيل: إن الرسل سألوا ربهم المغفرة لزلاتهم، فلا يخلو: إما أن أجيبوا في ذلك، أو لم يجابوا؛ فإن لم يجابوا فيما سألوا، فهو عظيم، وإن أجيبوا في ذلك - والمغفرة في اللغة: الستر - كيف ذكرت زلاتهم في الملأ إلى يوم القيامة؟
قيل: لوجوه:
أحدها: [أنهم] لما ارتكبوا تلك الزلات عظم ذلك عليهم، واشتغلت قلوبهم بذلك؛ لعظيم ما ارتكبوا عندهم، لم يخطر ببالهم عند سؤالهم المغفرة ستر ذلك على الناس، وكتمانها عنهم بعد أن أجاب الله بالتجاوز عنهم في ذلك.
أو أن يقال: أراد بإفشاء ذلك وإظهاره إيقاظ غيرهم وتنبيههم في ذلك؛ ليعلموا أن الرسل مع جليل قدرهم، وعظيم منزلتهم عند الله لم يحابهم في العتاب والتوبيخ بما ارتكبوا؛ فمن دونهم أحق في ذلك.
أو أن ذكر ذلك؛ ليعلموا أنه ليس بغافل عن ذلك، ولا يخفى عليه شيء، والله أعلم بذلك.
وقوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}، وقال:
{ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121]، وقال: { فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [طه: 115]، فأعلمنا الله - عز وجل - أن آدم نسي أمر ربّه؛ فقال قوم من أهل العلم: أكل آدم من الشجرة وهو ناس لنهي الله أياه عن أكلها، وكان أكله منها ظلماً منه لنفسه وعصياناً لربّه، وإن كان فعل ذلك ناسياً.
ثم إن الله تفضل على أمة محمد؛ فرفع عنهم في الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وقال قوم يعني قوله: {فَنَسِيَ} أي: ترك أمر ربه من غير نسيان، وقالوا: هذا كقول الله:
{ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة: 67].
ولا ندري كيف كان ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن الخطأ والنسيان في الأحكام موضوع بهذا الحديث، فيقال: فما تقولون في قتل الخطأ: هل فيه الدية والكفارة؟ وما تقولون في رجل أفسد متاع رجل وأحرقه ناسياً أو مخطئاً؟
فإن قالوا: ذلك لازم عليه؛ قيل فكيف قلتم: إن الحديث جاء في الأحكام، وأنتم توجبون الضمان؟
وقال بعضهم وجه الحديث عندنا: أن الأمم قبل أمتنا كانت مأخوذة بالخطأ والنسيان فيما بينها وبين ربها، فرفع الله تعالى الحرج عن هذه الأمة في ذلك؛ تفضلاً منه علينا من بين الأمم، فأما الغرامات والضمانات في الأحكام التي بين الناس [فهي لازمة لهم] خطأ فعلوا أو عمداً، والله أعلم.
وفي قوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} دلالة النقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر. ثم من قوله: إن الرسل والأنبياء معصومون عن الكبائر، فزلة آدم [لا شك أنها صغيرة لما ذكرنا، ثم قال: إن لم يغفر لكان من الخاسرين فإذا لم يكن له أن يعذبه فيصير وكأنه قال أجرمت وخطئت علينا لتكونن من الخاسرين، وفائدة تقدير آدم] وحواء أن يكونا من الملائكة لأن المَلَكَ [كما ذكرنا أنه] لا يفتر عن العبادة، ولا يعصي ... ربه، ولا يحتاج إلى شيء من المؤنة، ومن قرأ: ملكين؛ لأن الملك يكون نافذ الأمر والنهي في مملكته، وذلك مما يرغب فيه.
أو أن يكون [أراد] بذلك؛ ليشغلهما عن نهي ربهما؛ حتى ينسيا ذلك فيتناولا من تلك الشجرة على ما فعلا وفيما ذكر الخلود لأنه ليس بشيء ألذ ولا أشهى من الحياة.
والأشبه أن يقال: إنه لم ينسيا نهي الله إياهما عن التناول منها ولكن نسيا قوله:
{ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ } [البقرة: 35]؛ لذلك تناولا، ولو ذكرا قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} ما تناولا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: آدم وحواء وإبليس والحية. وقال الحسن: آدم ووسوسة الشيطان لأن من قوله: إن الشيطان لم يكن في السماء، إنما وسوس آدم وحواء من بعد؛ فالأمر بالهبوط [لوسوسة الشيطان]؛ ولذلك بقيت في أولاده إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: دل قوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} على أن الأمر بالهبوط إنما كان من السماء وكانوا في السماء.
ثم قوله: {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} كأن الأمر بالهبوط لم يكن معاً؛ لأن إبليس أمر بالهبوط حين أبى السجود وآدم وحواء حين تناولا من الشجرة، ثم جمعهم في الأمر بالهبوط؛ ليعلم أن ليس في الجمع بالذكر دلالة وجوب الحكم والأمر مجموعاً.
وقوله - عز وجل -: {ٱهْبِطُواْ} لا يفهم منه الهبوط من الأعلى.
ألا ترى أنه قال في آية أخرى:
{ ٱهْبِطُواْ مِصْراً } [البقرة: 61] أي انزلوا فيه.
وقوله: {عَدُوٌّ}، وهو عدو لنا إما بالكفر، وإما بالسعي في هلاكنا، وكل من يسعى في هلاكنا فهو عدو لنا ونحن عدو له.
وقوله - عز وجل -: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}.
قيل: إلى منتهى آجالكم، وإبليس: إلى النفخة الأولى. ويشبه أن يكون هذا ليس على التوقيت، ولكن على الدوام والقرار فيها.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25].
قيل: الأرض [فيها] تعيشون، وفيها تموتون عند انقضاء آجالكم، ومنها تخرجون في القيامة.