التفاسير

< >
عرض

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ
٣٧
قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ
٣٨
وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
٣٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ
٤٠
لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ
٤١
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}.
قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}: إنما هو حرف استفهام وسؤال لم يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد أظلم، نفس قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}، أي: لا أحد أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه وإحسانه.
وقوله - عز وجل -: {فَمَنْ أَظْلَمُ}: أي لا [أحد] أفحش ظلماً ولا أقبح ظلماً ممن افترى على الله كذباً.
وقوله: {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله:
{ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } [الممتحنة: 12] وأما [الكذب] فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على الله فهو أنواع:
يكون بما قالوا: [إن له ولداً، وقالوا: إن له شريكاً وصاحبة، وبما عبدوا غير الله وقالوا:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3] و { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]، ويكون ما قالوا] { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } [الأعراف: 28]، ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى الله، ونحو ذلك من الافتراء.
وقوله - عز وجل -: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ}.
اختلف فيه: قال الحسن: [إنّ] من أطاع الله في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد كتبت له الجنة خالداً فيها أبداً، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ومن عصى الله وخالف رسله، كتبت له النار [خالداً فيها أبداً] فهو نصيبه من الكتاب.
وقال أبو بكر الكيساني:
[في] قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ}، أي: حظهم من الخير والعقاب في الآخرة، وهو قول القتبي ويحتمل وجهين آخرين غير هذين:
أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى الله؛ كقوله:
{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ } [البقرة: 79] وقوله - عز وجل -: { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } [آل عمران: 78]، فصار ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ذلك يوم القيامة.
والثاني: قوله: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم} مما كتب لهم من الرزق والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون.
ثم قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}.
على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر.
وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو يجعل المتوفَّى في النار؛ لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله:
{ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } [إبراهيم: 17]، أي تأتيه أسباب الموت.
وعلى تأويل [من] يجعل قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ}: في الدنيا في استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: {حَتَّىٰ} على الإثبات وعلى تأويل من يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط.
وقوله - عز وجل -: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.
تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هؤلاء [و] على تأويل أولئك: عند قبض أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم.
وقوله: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، أي تعبدون من دون الله، وتقولون:
{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]، وقولهم: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]، أو الأكابر التي ذكر بقوله: { وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } [الأنعام: 123] أين أولئك الذين كنتم تعبدون من دون الله؟!
{قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا}.
وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى:
{ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ } [السجدة: 10]، أي: هلكنا وبطلنا.
{وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}.
فإن كان قوله: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}: الكبراء منهم والرؤساء يكون قوله: {ضَلُّواْ عَنَّا}، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: {ضَلُّواْ عَنَّا} أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم:
{ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18].
وقوله - عز وجل -: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ}.
قوله: {فِيۤ أُمَمٍ} يحتمل مع أمم، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: جاء فلان في جنده.
وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}.
المتبوعين والأتباع جميعاً معاً والعرب تضع حروف الخفض بعضها في موضع بعض؛ كقوله:
{ فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي } [الفجر: 29]، قيل: مع عبادي. ويحتمل "في" موضعه كأن المتبوعين يدخلون النار قبل الأتباع [فقيل لهؤلاء الأتباع] {ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}. وفيه دليل أن الكفار من الجن يعذبون كما يعذب الكفار من الإنس.
وقوله - عز وجل -: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}.
لعن الأتباع المتبوعين؛ لما هم دعوهم إلى ذلك، وهم صرفوهم عن دين الله؛ كقولهم:
{ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً... } [سبأ: 33]، وكقوله: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ... } [سبأ: 33]، وغير ذلك من الآيات.
ولعن المتبوعون الأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضاً.
وفيه دليل أن أهل الكفر وإن اختلفوا في مذاهبهم فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين [بعضهم] إخوة وأخوات لبعض.
وقوله - عز وجل -: {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً}.
قال بعضهم: هو من التدارك، أي: حتى إذا تداركوا وتتابعوا فيها.
وقيل: هو من الدرك؛ لأن النار دركات، لا يزال أهل النار يهوون فيها لا قرار لهم في ذلك؛ [و] في القرار بعض التسلي والراحة، فلا يزالون يهوون فيها دركاً فدركاً.
وقيل: ولذلك سميت هاوية.
وقيل: {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً}، أي: اجتمعوا فيها؛ فعند ذلك يتلاوم بعضهم بعضاً، فإن كان على التدارك فهو كقوله:
{ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات: 22]، وإن كان على الاجتماع فهو للتضييق؛ كقوله: { وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ } [الفرقان: 13] الآية، ويجتمعون يلعن بعضهم بعضاً.
وقوله - عز وجل -: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ}.
يحتمل قوله: {أُخْرَاهُمْ}: الذين [كانوا] في آخر الزمان، {لأُولاَهُمْ}: الذين شرعوا لهم ذلك الدين.
{رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}.
ويحتمل قوله: {أُخْرَاهُمْ} الذين دخلوا النار أخيراً وهم الأتباع، {لأُولاَهُمْ} الذين دخلوا النار أولاً، وهم القادة والمتبوعون، {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ}، يعني: القادة والسادة، {أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}؛ كقوله:
{ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ } [الأحزاب: 66]، ويشبه أن يكون قوله: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ}: ليس على القول بعضهم لبعض، ولكن على الدعاء عليهم واللعن؛ كقوله: { وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } [الأحزاب: 68].
وقوله: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ}.
قال بعضهم: لكل ضعف النار؛ لأنها لا تزال تزداد وتعظم وتكبر فذلك الضعف، وذلك للأتباع والمتبوعين جميعاً.
وقال بعضهم: قوله: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ}، أي: للمتبوعين والقادة ضعف، قال لهم مالك، أو خزنة [النار]، أو من كان: ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة بعد أن يقال لهم ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}.
في الدنيا أن لكم ضعفاً منها.
وقيل: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}: للحال بأن لكل ضعفاً من النار.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ}.
يحتمل {أُولاَهُمْ} ما ذكرنا: الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وسنّوا لهم {لأُخْرَاهُمْ} الذين كانوا في آخر الزمان.
ويحتمل {أُولاَهُمْ}: الذين دخلوا أولاً، {لأُخْرَاهُمْ}: هم الذين دخلوا النار أخيراً، وهم الأتباع.
{فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}.
قيل فيه بوجهين:
يحتمل ما كان لكم علينا من فضل في شيء؛ فقد ضللتم كما ضللنا، أي: لم يكن لنا عليكم فضل سلطان، ولا كان معنا حجج وآيات قهرناكم عليها، إنما دعوناكم إلى ذلك فاستجبتم لنا، وقد كان بعث إليكم الرسل مع حجج وآيات فلم تجيبوهم، وهو كخطبة إبليس حيث قال:
{ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ... } [إبراهيم: 22] الآية، فيقول هؤلاء القادة للأتباع مثل قول الشيطان لجملتهم.
وقيل: قوله {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}، يعني: تخفيف العذاب.
أي: نحن وأنتم في العذاب سواء، لا فضل لكم علينا من تخفيف العذاب في شيء.
أحد التأويلين في قوله: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} يرجع إلى الآخرة والآخر إلى الدنيا.
وقوله - عز وجل -: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}.
من الشرك والتكذيب لآيات الله، وكذلك جزاء بما كانوا يكسبون ويعملون.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا}.
هذا قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ}.
قال بعضهم: يعني بأبواب السماء أبواب الجنان؛ لأن الجنان تكون في السماء؛ فسمى أبواب السماء لأن الجنان فيها.
ألا ترى أنه قال:
{ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات: 22]، وما يوعد لنا هو الجنة، ثم أخبر أنها في السماء.
ألا ترى أنه قال: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} [كأنه قال: لا تفتح لهم أبواب الجنان ولا يدخلون الجنة] - أيضاً.
وقال آخرون: أبواب السماء هي أبواب السماء؛ وذلك أن أعمال المؤمنين ترفع إلى السماء وتصعد إليها أرواحهم، وأعمال الكفرة وأرواحهم ترد إلى أسفل السافلين؛ كقوله:
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: 10]، وقال في الكافر: { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } [التين: 5-6] فإذا كانت أعمال المؤمنين وأرواحهم ترفع إلى السماء وتصعد إليها، أخبر [أن الكافرين] لا تفتح لهم أبواب السماء ولا لأعمالهم، ولكن ترد إلى السجين.
وأمكن أن يكون على التمثيل ليس على تحقيق السماء؛ ولكن ذكر السماء لما أن السماء هي مكان الطيبات من الأشياء وقرارها، لا مكان الخبائث والأقذار، والأرض هي مكان ذلك، وأعمال الكفرة خبيثة؛ فكنى عن أعمالهم الخبيثة بالأرض [لما أن الأرض] هي معدن الخبائث والأنجاس.
وكنى عن أعمال المؤمنين الطيبة بالسماء، وهو كما ضرب مثل الإيمان: بالشجرة الطيبة الثابتة وفرعها في السماء، وضرب مثل الكفر: بالشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض، ليس على أن يكون قوله:
{ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ } [إبراهيم: 24] على تحقيق السماء، ولكن على الوصف بالطيب والقبول؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ}.
لا يستقيم مثله على الابتداء إلا على نوازل تسبق، خرج ذلك جواباً لها؛ نحو قوله:
{ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ... } [البقرة: 111] الآية.
أو أن ذكروا أعمال أنفسهم أنهم يعملون كذا؛ فقال: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}.
فإن قيل: [كيف] خوفهم بما ذكر من سدّ الأبواب عليهم، وجعل النار لهم مهاداً وغواشياً، وهم لا يؤمنون بذلك كله، فكيف خوفوا به؟
قيل: إن المرء إذا خوف بشيء فإنه يخاف ويهاب ذلك، وإن لم يتيقن بذلك، ولا تحقق عنده ما خوف به؛ حتى يستعدّ لذلك، ويتهيأ وإن كان على شك من ذلك وظن؛ فعلى ذلك هؤلاء خوفوا بالنار وأنواع العذاب، وإن كانوا شاكين في ذلك غير مصدّقين؛ لما يجوز أن يهابوا ذلك، أو أن يخوف بذلك المؤمنين؛ كقوله:
{ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ } [البقرة: 24]، وقوله: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات: 55].
أو أن يكون التخويف لمن آمن منهم بالبعث؛ [لأن] منهم من قد آمن بالبعث والجزاء والثواب.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} [هذا على الإياس أنهم لا يدخلون أبداً الجنة كما لا يدخل ما ذكر في سمّ الخياط فإنه لا يدخل أبداً ثم قوله: حتى يلج الجمل في سم الخياط].
قال بعضهم: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: حتى يدخل الجمل الذي يشد به السفينة في خرق الإبرة.
وقال أبو عوسجة: يعني خرق الإبرة أو المسلة، والجمل: الحبل، والخياط: الإبرة أو المسلة.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ليس بالجمل ذي القوائم [ولكنه الجمل] يعني: القلس.
وقال ابن مسعود: هو الجمل ذو القوائم الأربع، والله أعلم بما أراد.
وقوله - عز وجل -: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ}.
أي: كذلك نجزي كل مجرم.
وقوله - عز وجل -: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ}.
قيل: الفرش.
{وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}.
هي اللحف أو الحواشي، ما يتغشاهم فيه النار تحيط بهم من تحت ومن فوق وأمام وخلف؛ كقوله:
{ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ } [الزمر: 24]، أي: لا يتقي لما يحيط بهم العذاب، وهو كقوله - تعالى -: { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ... } الآية [الزمر: 16]، أخبر أن النار تحيط بهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.