التفاسير

< >
عرض

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٥٥
ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ
٥٦
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٥٧
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ
٥٨
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ
٥٩
وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٦٠
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
-الأنفال

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ذكر هاهنا شر الدواب عند الله الذين لا يؤمنون وذكر] في آية أخرى: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا.
ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صمّاً بكماً عمياً؛ لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله:
{ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً... } الآية [الإسراء: 97].
وقوله: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ}.
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} هو كما ذكر في آية أخرى:
{ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [الأعراف: 179]، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا فائدة قوله: { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [الأعراف: 179] في موضعه.
ويحتمل قوله: {شَرَّ ٱلدَّوَابِّ} أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.
ثم اختلف فيه:
قال بعضهم: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: {ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}: نقض العهد، أو لا يتقون الشرك.
وقال بعضهم: نزل قوله: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ...} إلى آخر الآية، في المردة والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.
وقوله - عز وجل -: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ}.
قيل: تأمرنهم في الحرب.
وقيل: تلقينهم في الحرب.
وقيل: تجدنهم في الحرب.
{فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}.
قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون.
وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم.
الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، فأمر - عز وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء؛ ليكون ذلك عبرة وزجراً لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجراً، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجراً لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال:
{ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ } [البقرة: 179]، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق.
وكذلك جعل الله في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ إشفاقاً على نفسه، وخوفاً على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}: عظة وزجراً لمن بعدهم.
{لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}.
لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [في الجنة]، وكل كريه وقبيح زاجراً له عن الموعود في الآخرة في النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا.
والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم.
وقال القتبي: قوله: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء.
قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش.
وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا.
وقال أبو عوسجة: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب.
وقال غيره: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}، أي: اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء.
وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من بعض.
قال أبو عوسجة: قوله: {فَشَرِّدْ بِهِم}، أي: نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد: الطريد، والشريد - أيضاً -: القليل.
وقوله - عز وجل -: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} [قال بعضهم: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء].
أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما بينهم الحرب.
وقال بعضهم: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ}، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.
قال أبو عبيدة: قوله: {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ}، أي: أظهر لهم أنك عدو، وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء.
وقال بعضهم: {سَوَآءٍ}، أي: على أمرين.
قال أبو عبيد: قال غير واحد من أهل العلم: {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ}: أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم؛ حتى يصيروا مثلك في العلم؛ فذلك السواء.
قال الكيساني: السواء: العدل. وقال: {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ}، أي: سر إليهم، وقد علموا بك وعلمت بهم.
وبعضه قريب من بعض.
وحاصل التأويل: هو التأويلان اللذان ذكرتهما، والله سبحانه أعلم.
وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله:
{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } [التوبة: 4].
أمر - عز وجل - بإتمام العهد إلى المدة، إذا لم ينقضونا شيئاً ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحداً منهم، فإذا فعلوا شيئاً من ذلك قلنا أن ننقض العهد الذي كان بيننا وبينهم.
وكذلك ابتداء العهد [فيما] بيننا وبينهم إذا سألونا ليس للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين - منفعة ظاهرة - وخير لهم؛ فعلى ذلك ما دام يرجو في العهد منفعة للمسلمين وخيراً لهم فعليه مراعاة ذلك العهد وحفظه، فإذا خاف منهم أو اطلع على خيانة منهم، فله نقضه، والله أعلم.
ثم إذا كانت تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منعة، فله أن يناصبهم الحرب، وإن لم ينبذ إليهم.
وإذا كان ذلك من بعض على سبيل التلصص والسرقة، فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}.
قال بعضهم: لا تحسبن الذين نجوا وتخلصوا منك - يا محمد - من المشركين [يوم بدر] أني لا أظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وأنهم يفوتون ويعجزون الله عن ذلك.
وقال بعضهم: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون ويفوتون عن نقمة الله وعذابه.
وقرأ بعضهم بنصب الألف: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}، فمن قرأ بالنصب طرح "لا" وجعلها صلة، وقال: لا تحسبن أنهم يعجزون.
وأما قراءة العامة: فهي بالخفض: {إِنَّهُمْ} فهو على الابتداء، فقال: إنهم لا يعجزون [على الابتداء].
[وقيل: العجز: السبق].
وقوله - عز وجل -: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ}.
قال بعضهم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ولا تخرجوا إلى الحرب في المغازي، كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة؛ لأنه أراد أن يجعل حرب بدر آية؛ ليميز بين المحق والمبطل، وبين الحق والباطل؛ لذلك أمركم بالخروج إليها بلا سلاح ولا عدة، وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها.
وبعد: فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له، وأمر - عز وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب؛ لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كان - عز وجل - قادراً أن ينصرهم على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم، وهو كقوله:
{ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ } [الحشر: 13].
فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادراً على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب، لكنه أمر بالأسباب؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب، من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعاً بلا غذاء يجعل لهم، والموت بلا مرض ولا سبب؛ ولكن فصل بما ذكرنا.
ثم اختلف في قوله: {مِّن قُوَّةٍ}؛ قال بعضهم: القوة: الرمي، وعلى ذلك رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"{وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} فقال: ألا إن القوة الرمي، قال ذلك ثلاثاً" .
ويحتمل قوله: {مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ}: ما تقوون به [في] الحروب.
قال بعضهم: القوة: السلاح.
وقال غيرهم: الخيل.
وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب.
وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله:
{ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } [التوبة: 42] أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، أمر برباط الخيل والإعداد للحرب؛ رهبة للعدو.
{وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} اختلف [أهل التأويل فيه]:
قال بعضهم: ترهبون برباط الخيل المشركين.
وقال: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ}.
اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا فيما بينهم يرهب هؤلاء أيضاً.
وقال بعضهم: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ}: [المنافقين] الذين كانوا فيما بينهم لا يعرفونهم كانوا طلائع للمشركين وعيوناً لهم يخبرونهم عن حال المؤمنين ما يرهب هؤلاء أيضاً.
وقال آخرون: قوله: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ}: هم الشياطين، ورووا على ذلك [خبراً] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [أنه] قال:
"هم الشياطين" ، وقال: "لن يخبل الشياطين إنساناً في داره فرس عتيق" .
ويحتمل أن يكون قوله: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} [هم] الأعداء الذين يكونون من بعد إلى يوم القيامة {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}، فإن كان ذلك، ففيه دلالة بقاء الجهاد إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ}: الشياطين، {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} وهو كقوله:
{ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27].
فإن قيل: [أي] رهبة تقع للشياطين فيما ذكر من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر؛
قيل: يكون لهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك إليهم، وذلك كثير في القرآن.
وقوله: {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}.
سمى عدواً لله وعدواً للمؤمنين؛ ليعلم أن من اعتقد عداوة الله صار عدوّاً للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليّاً للمؤمنين، ومن كان وليّاً للمؤمنين يكون وليّاً لله.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}.
أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك، إما الخلف في الدنيا؛ كقوله:
{ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [سبأ: 39]، وإما في الآخرة الثواب.
{وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [يحتمل وجهين:
يحتمل: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}]:
فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله، واتخاذ العدة والإنفاق فيها؛ إذ أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم.
والثاني: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} في الثواب في الآخرة، أي: يعطيكم الثواب في الآخرة أو الخلف في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}.
قرئ بالنصب: {لِلسَّلْمِ}، وقرئ بالخفض: {لِلسَّلْمِ}.
وقال أهل اللغة: من قرأ بالنصب: {لِلسَّلْمِ}، حمله على المصالحة والموادعة، ومن قرأ بالخفض: {لِلسَّلْمِ}، جعل ذلك في الإسلام.
وتأويله - والله أعلم -: أي: إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم، أي: مل إليهم، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد؛ على ما ذكر في قوله: {ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ}، يقول: لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}.
ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك.
ومنهم من قال: قوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ}، أي: إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام، فاقبل منهم واخضع لهم؛ كقوله:
{ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [الحجر: 88] أمره بخفض الجناح لهم.
ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح، إلا أن نضطر إلى ذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال:
{ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ } [محمد: 35]، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك.
ويحتمل ما ذكرنا، أي: لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد.
وقوله: {فَٱجْنَحْ لَهَا} يحتمل ذكره بالتأنيث، أي: للمسالمة والمصالحة.
وقال بعضهم: السلم هو مؤنث؛ كقول القائل:

السلم تأخذ منا ما رضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جرع

فإن قيل: ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله: {فَٱجْنَحْ لَهَا} وهو كان يدعو إلى الإسلام، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام؟
قيل: يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمراً بترك المؤاخذة بما كان منهم في حال نقض العهد؛ لأن من قولنا: أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئاً من ذلك ثم أسلموا، لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول له: فاجنح لها، ولا تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد.
وقال الحسن: هذا منسوخ، نسخة قوله:
{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ... } الآية [التوبة: 29].
وقال بعضهم نسخة قوله:
{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ... } الآية [التوبة: 5].
وقال بعضهم: نسخة قوله:
{ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ } [محمد: 35].
والوجه فيه ما ذكرنا: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظراً للمسلمين، أجابهم إلى ذلك وصالحهم، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك، وما ذكر هؤلاء من نسخة فذلك لا نعرفه، والله أعلم.