التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
٢٥
ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٧
-التوبة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ}.
أي: نصركم في مواضع كثيرة كان فزعكم إلى الله - تعالى - ونصركم يوم حنين - أيضاً - بعد ما هزمكم العدو بإعجابكم بالكثرة فصرفكم الفزع إلى الله، ونصركم - أيضاً - يوم حنين. {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً}.
يعني: الكثرة.
يذكرهم - عز وجل - منته عليهم وفضله أن النصر والظفر متى كان إنما كان بالله، لا بكثرتهم وقوتهم؛ لأنه لو كان على الكثرة لوكلوا إليها.
فإن قيل: قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله:
{ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ... } الآية [الأنفال: 60]، فإنما أمرنا بما يعجبنا، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة؟ وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا، وقد كلفنا الشكر لما آتانا، والصبر على ما فات منا، فلو لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر، ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه؟
معناه - والله أعلم - أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح بفضل الله ومنته الذي من علينا وخصنا به، وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا؛ لما جعل لنا لذلك ثواباً في الآخرة وأجراً عظيماً، وكذلك الكثرة، أمرنا بها، فإذا آتانا ذلك يعجبنا فضل الله ومنته في تلك الكثرة، لا الكثرة لنفسها والقوة، والله أعلم.
فإن قيل: الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم، لا من الكل، فكيف هزم الكل؟ وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع؟
قيل: لأن له أن يتلف الكل ابتداء.
ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين [ثم] في الأمر بالجهاد أمراً على غير وسع، ولا كذلك في سائر العبادات؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم، وليس في وسع أحد القيام لاثنين، فهو - والله أعلم - لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها.
ألا ترى أنه قال:
{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ... } [النساء: 66] الآية، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره، دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم ويهلكهم؛ فعلى ذلك [له] أن يأمر بقتل أنفسهم، فإذا كان له ذلك؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم؛ فعلى ذلك [له] أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم.
وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله:
{ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27] والمحاربة مع عدو لا نراه وهو يرانا أمر صعب شديد، لكن الله علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه، وقال في الشيطان: { وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } [الأعراف: 200] وقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ } الآية [الأعراف: 201] علمنا أسباباً نقاتل بها الشيطان فنغلبه ونقهره، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك، وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر؛ حيث قال: { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } [الأنفال: 45] وقال: { وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } [الأنفال: 46] قد علمنا أسباب الجهاد معه، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعداً بالحيل، وإذا لم يكن له الوسع به بالقوة نفسها.
ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات؛ لما يحتمل أن جعل الله الجهاد آية من آيات الحق والرسالة؛ ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان بالله، لا بغيره؛ ليظهر الحق من الباطل، والمحق من المبطل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}.
هذا على التمثيل؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها [الغاية والنهاية]: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، يقال [ذلك] لسعة الأرض في أوهام الخلق.
وقوله - عز جل -: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال بعضهم: السكينة: الملائكة؛ كقوله:
{ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ... } الآية [آل عمران: 126].
وقال بعضهم: {أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ}، أي: نصرته.
وقيل: وقاره.
وقيل: رحمته.
وقيل: طمأنينته.
وأصله: سكنت قلوبهم واطمأنت بعد شدة الخوف والحزن بأي وجه ما، تسكن بالملائكة أو بغيرها، فأسكن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتد عليه رجوع أصحابه ومفارقتهم إياه {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}: وهم الملائكة، {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: بالقتال والهزيمة، وذلك جزاءهم.
وفي قوله: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سماهم مؤمنين بعد ما كان منهم التولي، والتولي لم يخرجهم من الإيمان على ما قالوا.