التفاسير

< >
عرض

وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً
٧١
ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً
٧٢
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً
٧٣
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً
٧٤
قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً
٧٥
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً
٧٦
-مريم

حاشية الصاوي

قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} أي مسلماً أو كافراً. والحاصل أنه اختلف المفسرون في المراد بالورود، فقيل الدخول، وقيل الحضور معها في الموقف، والذي عول عليه الأشياخ، أن المراد به المرور على الصراط، وهو على ظهرها أحد من السيف، وأرق من الشعرة، ويتسع للمؤمن بقدر عمله، ومن هنا تقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي، وهم في المرور مختلفون، لما في الحديث: "يرد الناس النار ثم يصدون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البصر، ثم الريح، ثم كعدو الفرس، ثم كالراكب المجد، ثم كشد الرجل في مشيه" . قوله: (أي داخل جهنم) أي وتكون على المؤمنين، ولو ماتوا عصاة، غير من تحقق فيهم الوعيد برداً وسلاماً لدخولهم فيها وهي خامدة، فلا يشعرون بها. قوله: {كَانَ} أي الورود. قوله: {حَتْماً مَّقْضِيّاً} أي بمقضتى حكمته لا بإيجاب عليه.
قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي نخرجهم منها من غير أن يمسهم عذابها، وهم من لم ينفذ فيهم الوعيد، أو بعد العذاب، وهم من نفذ فيهم الوعيد. قوله: {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ} أي نتركهم فيها على سبيل الخلود، وقوله: {جِثِيّاً} حال من الظالمين. قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} الخ، أي حين نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آيات القرآن، وتلاها على المؤمنين والكافرين، وعجزوا عن معارضتها، أخذ أغنياء الكفار في الافتخار على فقراء المؤمنين، بما لهم من حظوظ الدنيا، حيث قالوا لهم: انظروا إلى منازلنا، فتروها أحسن من منازلكم، وإلى مجالسنا، فتروها أحسن من مجالسكم، نجلس في صدر المجلس، وتجلسون في طرفه الحقير، فإذا كان ذلك لنا في الدنيا، فنحن عند الله خير منكم، ولو كنتم على خير لأكرمكم كما أكرمنا، وقصدهم بذلك فتنة فقراء المدينة بزينة الدنيا، قال تعالى:
{ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 35].
قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي أغنياؤهم. قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوۤ} أي الفقراء منهم. قوله: (نحن وأنتم) بيان للفريقين. قوله: (بالفتح والضم) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالفتح على أنه من قام ثلاثياً، والضم على أنه من أقام رباعياً، وكان يحتمل أن يكون اسم مكان، أو اسم مصدر. قوله: (قال تعالى) أي رداً عليهم. قوله: {هُمْ أَحْسَنُ} مبتدأ وخبر، والجملة صفة لقرن و{أَثَاثاً وَرِءْياً} تمييز. قوله: {وَرِءْياً} أي مرئياً كالذبح بمعنى المذبوح، وقوله: (منظراً) أي هيئة وصورة. قوله: {قُلْ} أي للكفار المفتخرين على فقراء المؤمنين. قوله: {فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ} أي الكفر والغفلة عن عواقب الأمور. قوله: (بمعنى الخبر) أي وأتى به على صورة الأمر، إعلاماً بأنه يحصل ولا بد بمقتضى حكمته، كما أنه ألزم نفسه بذلك. قوله: (أي يمد) {لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} إنما ذكر الرحمن إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه. قوله: (يستدرجه) أي يطيل عمره ويكثر ماله، ويمكنه من التصرف فيه.
قوله: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} غاية في قوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ}. قوله: {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} إما حرف تفصيل، وهي مانعة خلو تجوز الجمع والعذاب والساعة بدلان من ما، والمعنى يستمرون في الطغيان، إلى أن يعلموا إذا رأوا العذاب أو الساعة من هو شر مكاناً وأضعف جنداً. قوله: {فَسَيَعْلَمُونَ} جواب {إِذَا}، وقوله: {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} راجع لقوله: {خَيْرٌ مَّقَاماً}، وقوله: {وَأَضْعَفُ جُنداً} راجع لقوله: {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} على طريف اللف والنشر المرتب. قوله: (أهم أم المؤمنون) أشار بذلك إلى أن من استفهامية، ويصح كونها موصولة مفعول يعلمون. قوله: (عليهم) متعلق بجنداً، لتضيمنه، معنى المعاونين، وذلك كما وقع لهم في بدر، فالكفار كان جندهم إبليس وأعوانه، جاءوا إليهم ليعينوهم ثم انخذلوا عنهم، والمؤمنون كان جندهم الملائكة التي قاتلت معهم، كما تقدم في الأنفال وآل عمران.
قوله: {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ} هذه الجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة الشرط المحكية بالقول، وكأنه قال: قل لهم من كان في الضلالة، الخ، وقل لهم يزيد الله الذين اهتدوا، الخ. قوله: (بما ينزل عليهم من الآيات) أي فكلما نزلت عليهم آية من القرآن، ازدادوا بها هدى وإيماناً، قال تعالى:
{ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً } [الأنفال: 2]. قوله: (هي الطاعة) تقدم أن هذا أحد تفاسير في الباقيات الصالحات، وهو الأحسن. قوله: {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ} أي من زينة الدنيا التي يتنعم بها الكفار. قوله: (بخلاف أعمال الكفار) أي فإنها شر مرداً، لكونهم يردون إلى جهنم، فتحصل أن الأعمال كلها باقية لأصحابها، فالمؤمنون تبقى لهم الأعمال الصالحة، فيتنعمون بها في الجنة، والكفار تبقى لهم الأعمال السيئة، فيعذبون بها في النار، فالعاقل يختار لنفسه أي العملين يبقى له؟ قوله: (والخيرية) الخ، أي أفعل التفضيل، ذكر على سبيل المشاكلة للكلام السابق، فاندفع ما يقال: إن أعمال الكفار لا خير فيها أصلاً، فكيف تصح المفاضلة؟