التفاسير

< >
عرض

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
١٨٧
وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٨
-البقرة

حاشية الصاوي

قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} ليلة ظرف لأحل والمعنى أحل لكم في ليلة الصيام، وفي الناصب له ثلاثة أقوال: قيل أحل وهو المشهور عند المعربين وليس بشيء لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت، وقيل مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام، وقيل متعلق بالرفث لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها. قوله: {ٱلرَّفَثُ} ضمنه معنى الإفضاء فعداه بإلى وإلا فهو يتعدى بالباء أو بفي وهو في الأصل الكلام الذي يستقبح ذكره الواقع عند الجماع، فأطلق وأريد منه الجماع على سبيل الكناية لا ستقباح ذكره. قوله: (بمعنى الإفضاء) هو في الأصل أن لا يكون بينك وبين الشيء حائل، وليس مراداً هنا بل المراد به هنا إفضاء خاص بالجماع، ولذا قال المفسر بمعنى الإفضاء إلى نسائكم بالجماع.
قوله: {إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} المراد حلائلكم من زوجة وأمة. قوله: (من تحريمه) أي الجماع. (بعد العشاء) أي دخول وقتها أو بعد النوم ولو كان قبلها. قوله: (كناية عن تعانقهما) أي فالتشبيه من حيث الإعتناق، فكما أن اللباس يسلك في العنق كذلك المرأة تسلك في عنق الرجل والرجل يسلك في عنقها، ويصح أن التشبيه من حيث الستر، فالمرأة تستر الرجل والرجل يسترها، قال تعالى:
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [الروم: 21]. وإليه الإشارة بقول المفسر أو احتياج كل منهما لصاحبه والحكمة في تقديم قوله هن لباس لكم أن طلب المواقعة غالباً يكون ابتداء من الرجل إليها أكثر لما في الحديث لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريماً مغلوباً، ولا أحب أن أكون لئيما غالباً.
قوله: {تَخْتانُونَ} هو أبلغ من تخونون لزيادة بنائه. قوله: (وقع ذلك لعمر). وحاصله أن بعد أن صلى العشاء، وجد بأهله رائحة طيبة فواقع أهله حينئذ. ثم لما أصبح جاء رسول الله وأخبره الخبر فقال يا رسول الله إني اعتذر إلى الله وإليك ما وقع مني، فقام جماعة فقالوا مثل ما قال عمر، فنزلت الآية نسخاً للتحريم الواقع بالسنة. قوله: {فَٱلآنَ} إن قلت إنه ظرف للزمان الحاضر. وقوله: {بَٰشِرُوهُنَّ} مستقبل فحينئذ لا يحسن ذلك. أشار المفسر لدفع ذلك حيث حول العبارة بقوله إذ حل لكم فمتعلق الظرف الحل لا المباشرة، فالمعنى حصل لكم التحليل الآن فحينئذ باشروهن فيما يستقبل. قوله: (جامعوهن) أي فالمراد مباشرة خاصة، فأطلق الملزوم وهو المباشرة، وأراد لازمه وهو الجماع. قوله: (أي أباحة من الجماع) أي في النساء الحلائل، واشار بذلك إلى أن ينبغي أن يقصد بجماعه العفة بالحلال عن الحرام له ولها أو رجاء النسل لتكثير الأمة، ففي الحديث
"تناكحوا وتناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" .
قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} نزلت في صرمة بن قيس وكان عاملاً في أرض له وهو صائم، فحين جاء المساء رجع لأهله فلم يجد طعاماً فغلبته عيناه من التعب، فلما حضر الطعام استيقظ فكره أن يأكل خوفاً من لله فبات طاوياً، فما انتصف النهار حتى غشي عليه، فما افاق أخبر النبي بذلك فنزلت الآية. قوله: {مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} قيل قبل نزول قوله من الفجر، وضع علي بن حاتم عقالاً أبيض وعقالاً أسود وجعل يأكل ويشرب حتى تبين كل منهما فلما أصبح أخبر النبي بذلك فقال له أنما ذلك سواد الليل وبياض النهار. قوله: (أي الصادق) احترز بذلك عن الكاذب وهو ما يظهر قبل الصادق كذنب السرحان، ثم تعقبه ظلمة ثم يطلع الصادق وهو الضياء المنتشر. قوله: (وبيان الأسود محذوف) أي فلو بينه لقال من الفجر والليل ليكون لفاً ونشراً مرتباً، ولم يذكره لعدم تعلق حكم به، فإن الصوم متعلق بظهور الأبيض. (من الغبش) أي ظلمة الليل. قوله: (أبيض وأسود) لف ونشر مرتب، والتشبيه هنا إنما هو في الصورة والهيئة، وليس هناك خيط أبيض ولا أسود، كما توهمه بعض الصحابة. قوله: (في الإمتداد) هذا هو وجه الشبه. قوله: (بغروب الشمس) أشار بذلك إلى أن الغاية غير داخلة في المغيا، وإنما صيام جزء من الليل من باب ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.
قوله: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ} أي مطلقاً ليلاً كان أو نهاراً وليس كالصيام. قوله: (نهي) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه الآية نهي. قوله: (الأحكام المذكورة) أي من أول آية الصيام هنا. واستشكل ذلك بأن الحد هو قوله تعالى: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ} الآية. وأجيب بأن الله أمرنا بالصوم بقوله: (كتب عليكم الصيام) والأمر بالشيء منهى عن ضده. قوله: (أبلغ من لا تعتدوها) أي لأن النهي عن المقاربة نهي عن المجاوزة وزيادة. قوله: (أي لا يأكل بعضكم مال بعض) أي لأن الله قدر لك رزقه، فلا يتسع بالباطل ولا يضيق بالحق. قوله: (كالسرقة) أي والمكس والنهب من كل ما لم يأذن فيه الشارع. قوله: (تلقوا) أي تسرعوا أو تبادروا. قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية من فاعل تأكلوا. قوله: (أنكم مبطلون) بفتح الهمزة إشارة إلى أنه مفعول تعلمون.