التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ
٢٠٤
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ
٢٠٥
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
٢٠٦
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ
٢٠٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٠٩
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٢١٠
-البقرة

حاشية الصاوي

قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} معطوف على قوله فمن الناس من يقول ربنا الآية، فقد قسم الله الناس على أربعة أقسام: الأول من يطلب الدنيا لا غير، ومنهم من يطلب الدنيا والآخرة، ومنهم من يظهر أنه من أهل الآخرة مع أنه في الواقع من أهل النار، ومنهم منه هو مؤمن ظاهراً وباطناً، وذكرهم على هذا الترتيب. قوله: (الأخنس بن شريق) هذا لقبه واسمه أبي وكان يتبعه ثلاثمائة منافق من بني زهرة، وسبب تلقيبه بالأخنس أنه اختفى يوم بدر هو وجماعته فقال لهم إن انتصر محمد فالعزة لكم لعدم ظهور العداوة منكم، وان انتصر الكفار فقد كفيتموه. قوله: (حلو الكلام) أي والمنظر قوله: (فيدني مجلسه) أي فيقربه منه، وفي الحديث: "إنا لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم" . قوله: (فأكذبه الله في ذلك) أي في دعواه وفي حلفه. قوله: (وحمر) جمر حمار. قوله: (وعقرها) أي قطع رجلها. قوله: {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} علة لقوله سعى. قوله: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} تفصيل للإفساد.
قوله: {بِٱلإِثْمِ} الباه للملابسة، والإتيان بقوله بالإثم يسمى عند علماء البديع تتميماً لأنه ربما يتوهم أن المراد عزة ممدوحة. قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي إن الله جعل له جهنم غطاء ووطاء، فأكرمه كما تكرم أم الصبي ولدها بالغطاء والوطاء اللينين وذلك من باب التهكم. قوله: (وهو صهيب) أي ابن سنان الرومي حين أسلم تعرض له المشركون وآذوه، فقال إني رجل كبير مسكين ليس بنافعكم وفراري ليس بضاركم، فإن كان من جهة المال فها هو فتركه وهاجر لرسول الله، وقد مدحه رسول الله بقوله نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، أي لو انتفى عنه خوف الله لا يقع منه عصيان، لأن طاعته محبة في الله لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار. قوله: (حيث أرشدهم لما فيه رضاه) أي فقد جعل النعيم الدائم في نظير العمل القليل، فإن الخلود في الجملة جزاء كلمة الإخلاص وهم جملة رأفته مضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات، وعدم مؤاخذة من كفر خوف القتل، وقبول التائب وأن بالغ في العصيان وطال زمانه. قوله: (ونزل في عبد الله بن سلام) أي وكان من أحبار اليهود. قوله: (وأصحابه) أي الذين أسلموا معه من اليهود. قوله: (لما عظموا السبت) أي احترموه بتحريم الصيد فيه كما كان في شرع موسى. قوله: (وكرهوا الإبل) أي حيث حرموا أكل لحومها وشرب ألبانها. قوله: (بعد الإسلام) أي بعد أن دخلوا في الإسلام لم يتمسكوا بجميع شرائعه، فوبخهم الله على ذلك. قوله: (بفتح السين وكسرها) قراءتان سبعيتان هنا وفي الأنفال والقتال لكن الأكثر هنا الكسر وما هناك العكس، وقوله الإسلام إشارة لمعناه هنا على القراءتين، وأما في الأنفال والقتال فمعناه الصلح. قوله: (حال من السلم) أي وهو يذكر ويؤنث فلذا أتى بالتاء في كافة، وقال تعالى أيضاً:
{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } [الأنفال: 61]. قوله: (أي تزيينه) أي تحسينه أموراً لكم، والمعنى لا تتبعوا طرق الشيطان التي يزينها لكم بوسوسته. قوله: (بالتفريق) أي بأن تتبعوا محمداً في أمور وموسى في أمور أخر.
قوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ} تعليل لما قبله، والعدو هو الذي يسره ما يضرك ويضره ما يسرك. قوله: (بين العداوة) من أبان اللازم، والمعنى أن عداوته بينة وظاهرة لمن نور الله بصيرته وأراد به خيراً، قال تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ } [الأعراف: 201]. قوله: (عن الدخول في جميعه) أي جميع أحكامه. قوله: {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} إن قلت أن الزلل لا يكون إلا بعد مجيئها أجيب بأن المراد بمجيئها ظهورها ظهوراً بيناً. قوله: (لا يعجزه شيء) أي فلا تفلتون منه. قوله: {حَكِيمٌ} (في صنعه) أي يضع الأشياء في محلها ومنها عذاب المفرق.
قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ} الإستفهام هنا إنكاري توبيخي. قوله: (الدخول فيه) أي في جميع أحكامه. قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} استثناء مفرغ، والمعنى لا ينتظرون شيئاً إلا اتيان الله في ظلل. قوله: (أي أمره) دفع بذلك ما يقال إن الإتيان بمعنى الإنتقال من صفات الحوادث وهي مستحيلة على الله تعالى. قوله: {فِي ظُلَلٍ} ظرف للإتيان المذكور، والمعنى أن الله يرسل عليهم العذاب في صورة الرحمة، وذلك لأن شأن السحاب الرقيق أن تأتي بالأمطار التي يكون فيها منافع لهم، وذلك مكر عظيم من الله بهم.
قوله: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} عطف على لفظ الجلالة، والمعنى أن إتيان الملائكة مصاحب لعذاب الله المظروف في السحاب الرقيق، وقرئ شاذاً بجر الملائكة واختلفوا في عطفه، فقيل معطوف على ظلل وقيل على الغمام. قوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} عبر بالماضي لتحقق وقوعه، فالمقام للمضارع لمناسبة يأتيهم وينظرون وهذا وعيد عظيم لكل من لم يستجمع أحكام الإسلام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (فيجازي كلا بعمله) أي فيحاسبكم على النقير والقمطير ويؤول أمركم إلى جنة أو إلى نار.