التفاسير

< >
عرض

لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٢٢
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
٢٣
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٤
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ
٢٥
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ
٢٦
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
٢٧
-الأنبياء

حاشية الصاوي

قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} {لَوْ} حرف شرط، و{كَانَ} تامة فعل الشرط و{آلِهَةٌ} فاعلها، و{فِيهِمَآ} متعلق بكان، و{إِلاَّ} بمعنى غير صفة لآلهة، ظهر إعرابها فيما بعدها، وقوله: {لَفَسَدَتَا} جواب الشرط، ففعل الشرط يقال له المقدم، وجوابه يقال له التالي، واستثناء نقيض التالي، ينتج نقيض المقدم. المعنى لكنهما لم تفسدا، فلم يكن فيهما آلهة غير الله، والجمع في {آلِهَةٌ} ليس قيداً، وكذا قوله: {فِيهِمَآ} وإنما أتى بذلك، رداً على الكفار في اتخاذهم الآلهة في السماء والأرض. قوله: (أي غيره) أشار بذلك إلى أن {إِلاَّ} صفة بمعنى غير، فهي اسم، لكن لم يظهر إعرابها به إلا فيما بعدها، لكونها على صورة الحرف، ولا يجوز أن تكون أداة استثناء، لا من جهة المعنى، ولا من جهة اللفظ، أما الأول فلأنه يلزم منه نفي التوحيد، إذ التقدير: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا، فيقتضي بمفهومه، أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا وهو باطل، وأما الثاني: فلأن المستثنى منه يشترط أن يكون عاماً، وآلهة جمع منكر في الإثبات، فلا عموم له، فلا يصح الاستثناء منه. قوله: (لوجود التمانع بينهم) أي التخالف بين الآلهة، ويسمى الدليل على ذلك، ببرهان التمانع والتطارد في فرض اختلافهما. وتقريره أن يقال: لو فرض إلهان متصفان بصفات الألوهية، وأراد أحدهما إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معاً وهو باطل، للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معاً وهو باطل، للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضاً، لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبت الوحدانية، وإذا فرض اتفاقهما، فهو باطل، لوجود برهان التوارد، وتقريره أيضاً أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معاً إيجاد شيء، فإما أن يحصل بإرادتهما معاً وذلك باطل، لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق أحدهما إلى إيجاده، فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول، لوجود المماثلة بينهما، واعلم أن الدليل على ثبوت الوحدانية لله، النقل والعقل، أما النقل فآيات كثيرة جداً منها { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [البقرة: 63] { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ } [البقرة: 255] { هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [آل عمران: 6] إلى غير ذلك، وأما العقل فقد علمنا الله كيفيته بقوله تعالى: { مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } [المؤمنون: 91] وكهذه الآية. إذا علمت ذلك، فالدليل في هذه الآية قطعي كما هو الحق، لكون الفساد مرتباً على فرض الاتفاق والاختلاف، وليس إقناعياً بحسب ما يفهمه المخاطب؛ خلافاً لما تقتضيه عبارة المفسر، حيث أحاله على العادة، وبهذه الآية انتفت الكموم الخمسة: الكم المتصل في الذات وهو التركيب فيها، والكم المنفصل فيها وهو النظير فيها، والكم المتصل في الصفات وهو التركيب فيها، والكم المنفصل فيها وهوا لنظير، والكم المنفصل في الأفعال، وهو المشارك له فيها، والمتصل فيها لا ينفى، لأنه ثابت، لأن أفعاله كثيرة على حسب شؤونه في خلقه. قوله: (الكرسي) الصواب إبقاء العرش على ما هو عليه، لأن التحقيق أن العرش جسم عظيم محيط بالعالم برمته، والكرسي تحته، رخص العرش بالذكر، لأنه أعظم من غيره، فإذا كان الله رب العرش، كان رب غيره بالأولى.
قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} أي لا يسأل عما يحكم في عباده، من إعزام وإذلال، وهدى وإضلال، وإسعاد وإشقاء، لأن الرب الخالق المالك لجميع الأشياء. إذا علمت ذلك، فالاعتراض على أفعال الله، إما كفر أو قريب منه. قوله: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} يقال للخلق: لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، وتبين بهذا، أن من يسأل عن أعماله كعيسى والملائكة، لا يصلح للألوهية. قوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} إضراب انتقالي، من بطلان التعدد، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة من غير دليل على ألوهيتها. قوله: (فيه استفهام توبيخ) أي من حيث إن {أَمِ} بمعنى الهمزة، وسكت عن كونها بمعنى بل هنا، والمناسب لما تقدم أنها بمعناها أيضاً. قوله: (على ذلك) أي الاتخاذ، كأن الله يقول لهم: نحن قد أتينا ببراهين دالة على وحدانيتنا، فأتوا ببرهان يدل على ثبوت الشريك لنا. قوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} أي عظتهم ومتمسكهم على التوحيد. قوله: (ليس في وادحد منها) أي فراجعوها وانظروا، هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك؟ قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إضراب انتقالي، من محاجتهم إلى بيان أنهم كالبهائم، لا يميزون بين الحق والباطل. قوله: {ٱلْحَقَّ} الكلام على حذف مضاف، أي توحيد الحق.
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} الخ، تقرير لما قبله من كون التوحيد، نطقت به الكتب القديمة واجتمعت عليه الرسل. قوله: (وفي قراءة) أي وهي سبعية أيضاً. قوله: {وَقَالُواْ} الضمير عائد على فرق من العرب، وهم خزاعة وجهينة وبنو سلمة حيث قالوا: الملائكة بنات الله. قوله: (والعبودية تنافي الولادة) أي لأن عبد الإنسان لا يكون ولده، وهذا بحسب المعتاد عندهم. قوله: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي لا يخالفونه في القول ولا العمل.