التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٣٩
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ
٤٠
-النور

حاشية الصاوي

قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الخ، لما ضرب الله المثل للمؤمنين بأشرف الأمثال وأعلاها، ضرب المثل للكفار بأشر الأشياء وأخسها. والحاصل أن الله ضرب للكفار مثلين: مثل لأعمالهم الحسنة بقوله: {كَسَرَابٍ} الخ، ومثل لأعمالهم السيئة بقوله: {كَظُلُمَاتٍ} الخ، والاسم المصول مبتدأ، و{كَفَرُوۤاْ} صلته، {أَعْمَالُهُمْ} مبتدأ ثان، {كَسَرَابٍ} خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويصح أن يكون {أَعْمَالُهُمْ} بدل اشتمال، و{كَسَرَابٍ} خبر {ٱلَّذِينَ}. قوله: {أَعْمَالُهُمْ} أي الصالحة، كصدقة وعتق وغير ذلك مما لا يتوقف على نية. قوله: {بِقِيعَةٍ} الباء بمعنى في كما يشير له المفسر بقوله: (أي في فلاة). قوله: (جمع قاع) أي كجيرة جمع جار، وقيل القيعة مفرد بمعنى القاع. قوله: (يشبه الماء الجاري) أي ويسمى آلاً أيضاً، قال الشاعر:

إذا أنا كالذي يجري لورد إلى آل فلم يدرك بلالا

ويسمى سراباً لأنه يتسرب أي يجري كالماء. قوله: {يَحْسَبُهُ} بكسر السين وفتحها، قراءتان سبعيتان، وماضية حسب بكسر السين، وهو من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضاً. قوله: {ٱلظَّمْآنُ} أي وكذا على كل من رآه، وإنما خص {ٱلظَّمْآنُ} لأنه أحوج اليه من غيره. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} أي جاء ما قصده وظنه ماء، وهو غاية في محذوف، أي يستمر سائراً اليه {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} الخ. قوله: (كذلك الكافر) الخ، أشار بذلك إلى وجه الشبه، فتحصل أنه شبه حال الكافر من حيث اعتقاده، أن عمله الصالح ينفعه في الآخرة، فإذا جاء يوم القيامة، لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم، فعظمت حسرته بحال الظمآن الذي اشتدت عليه حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب تعلق به، فإذا جاء لم يجده شيئاً. قوله: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ} أي وجد وعد الله بالجزاء على عمله، أو المعنى وجد عذاب الله له. قوله: (أي جازاه عليه في الدنيا) المعنى أن الكافر يوم القيامة يعلم ويتحقق، أن الله جازاه على أعماله الحسنة التي لم تتوقف على نية في الدنيا، بالمال والبنين والعافية، وغير ذلك من لذات الدنيا، هكذا قال المفسر، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه، إلا أن المفسرين على خلافه، فإنهم قالوا: معنى وفاه حسابه، جازاه عليه في الآخرة بالعذاب. والحاصل أنه إن أريد مثلاً أعماله الصالحة التي تتوقف على نية، فمسلم أنه لا يجد لها جزاء في الآخرة، ولا تنفعه أصلاً، وإن أريد خصوص ما لا يتوقف على نية فقيل لا يجد لها نفعاً أصلاً، وقيل يجد نفعها، إما في الدنيا كتوستعها عليه وعافيته وغير ذلك أو في الآخرة بتخفيف عذاب غير الكفر. قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} أو للتقسيم، أي إن أعمال الكافر تنقسم قسمين، قسم كالسراب وهو العمل الصالح، وقسم كالظلمات وهو العمل السيئ، وقوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} معطوف على قوله: {كَسَرَابٍ} على حذف مضاف تقديره أو كذي ظلمات يدل عليه قوله: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}.قوله: {لُّجِّيٍّ} منصوب للج أو للجة، وهو الماء الغزير. قوله: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} الخ، أي يعلوه، وهو إشارة إلى كثرة الأمواج وتراكمها، والمعنى أن البحر اللجي يكون باطنه مظلماً بسبب غزارة الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كان مع ذلك سحاب، ازدادت الظلمة جداً، ووجه الشبه أن الله تعالى ذكر ثلاث ظلمات: ظلمة البحر والأمواج والسحاب، كذلك الكافر له ثلاث ظلمات: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة الفعل. قوله: {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} أي قد غطى أنوار النجوم. قوله: (هذه) {ظُلُمَاتٌ} أشار بذلك إلى أن قوله: {ظُلُمَاتٌ} خبر لمحذوف. قوله: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ} خصها لأنها أقرب الأشياء اليه. قوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} استفيد من هذا أن النور ليس بالحول ولا بالقوة، بل بفضل الله يعطيه لمن يشاء، ولمعنى من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً، فلا دين له.