التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
١٩٥
لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ
١٩٦
مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٩٧
-آل عمران

حاشية الصاوي

قوله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ} أي لأولي الألباب الموصوفين بما تقدم، واستجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان للتأكيد وهو يتعدى بنفسه واللام. قوله: {رَبُّهُمْ} إنما عبر به دون غيره من الأسماء لمناسبة دعائهم به. قوله: (أي بأني) أشار بذلك إلى أن بفتح الهمزة تفاق السبعة وفيه حذف الجار وهو مطرد إذا أمن اللبس، قال ابن مالك:

وحذفه مع إن وإن يطرد مع أَمْنِ لبْسٍ كعجبت أن يدوا

وهذه الباء للسببية وقرئ شذوذاً باثباتها، وقرئ سذوذا أيضاً بكسر الهمزة على تقدير القول. قوله: {لاَ أُضِيعُ} هكذا بسكون الياء من أضاع، وقرئ بتشديد الياء من ضيع. قوله: {مِّنْكُمْ} جار ومجرور صفة لعامل، وقوله: {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} من بيانية وقيل زائدة وذكر أو أنثى بدل من عامل، وقيل إن الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله بدل كل من كل. قوله: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} هذه الجملة قصد بها التعليل والتعميم، والمعنى لا أضيع عمل عامل منكم جميعاً ذكر أو أنثى، لأن ربكم واحد، وأصلكم واحد، ودينكم واحد، وبعضكم متناسل من بعض. قوله: (مؤكدة لما قبلها) أي قصد بها التعميم. قوله: (نزلت) أي هذه الآية من هنا إلى قوله: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ}. قوله: (من مكة إلى المدينة) أي أو إلى الحبشة كما كان في صدر الإسلام، فكان من أسلم ولم يأمن على نفسه يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة، إلى أن جاءه الأذن بالهجرة إلى المدينة.
قوله: {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} يشير بذلك إلى أن الإخراج قهري، لأنه وإن كان في الظاهر طائعاً إلا أنه في الباطن مكره. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقوله: (وفي قراءة بتقديمه) أي المبني للمفعول لكن بالتخفيف، فالقراءات ثلاث، وتكون الواو على هذه القراءة بمعنى مع، أي قتلوا مع كونهم قاتلوا فلم يفروا، بل قتلوا في حال مقاتلهم الأعداء. قوله: {لأُكَفِّرَنَّ} اللام موطئة لقسم محذوف، أو وحقي وجلالي لأكفرن، والقسم وجوابه في محل رفع خبر. قوله: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} إلخ، وهذا الوعد الحسن لمن اتصف بجميع تلك الصفات أو ببعضها قوله: (أسترها بالغفرة) أي عن الخلق وأبدلها حسنات. قوله: {ثَوَاباً} هو في الأصل مقدار من الجزاء أعده الله لعباده المؤمنين في الآخرة في نظير أعمالهم الحسنة، لكن المراد به هنا الإثابة فهو مصدر مؤكد كما قال المفسر، ويصح أن يكون حالاً في جنات، أي لأدخلنهم جنات حال كونها ثواباً بمعنى مثاباً بها، أي في نظير أعمالهم الحسنة. قوله: (من معنى لأكفرن) أي وما بعده وهو لأدخلنهم فهما في معنى لأثيبنهم.
قوله: {مِّن عِندِ ٱللَّهِ} جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لثواباً. قوله: (فيه التفات عن التكلم) أي وكان مقتضى الظاهر أن يقول ثواباً من عندي وإنما أظهر في محل الإضمار تشريفاً لهم قوله: {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} لفظ الجلالة مبتدأ، وقوله: {حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} مبتدأ ثان، وقوله: {عِندَهُ} خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويحتمل أن يكون حسن الثواب فاعلاً بالظرف قبله، والجملة خبر المبتدأ وإضافة حسن الثواب من إضافة الصفة للموصوف، أي الثواب الحسن كالجنة وما فيها، وأتى بهذه الآية تعليلاً لما قبلها. قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود غيره، لأن هذه المقالة واقعة من ضعفاء المسلمين، ولا ناهية، ويغرنك فعل مضارع مبني على الفتح لإتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعوله، والمعنى لا تغتر بتقلبهم إلخ.
قوله: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هون. قوله: (يتمتعون) أي ينتفعون ويتنعمون به. قوله: (هي) أشار به إلى أنه المخصوص بالذم.