التفاسير

< >
عرض

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ
٢٩
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
٣٠
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ
٣١
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٢
وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ
٣٣
إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ
٣٤
إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٦
-الدخان

حاشية الصاوي

قوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} اختلف في البكاء، فقيل حقيقة وعليه فقيل هو واقع من ذات السماوات والأرض، ويؤيد ما ورد: ما من مؤمن ألا وله في السماء بابان: باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقدان فيبكيان عليه، وتلا {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} ويؤيده أيضاً قول مجاهد: إن السماء والأرض ليبكيان على المؤمن أربعين صباحاً، قال أبو يحيى: فعجبت من قوله: فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبده كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدويّ النحل؟ وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أهل السماوات والأرض، وقيل: إن بكاهما حمرة أطرافهما، ويؤيده قول السدي لما قتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما: بكت عليه السماء، وبكاها حمرتها، وقول محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه، وقال سليمان القاضي: مطرنا دماً يوم قتل الحسين، وقيل: إن البكاء كناية عن عدم الاكتراث وعدم المبالاة بهم. قوله: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} هذا من جملة تعداد النعم على بني إسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإنهم لم يبلغوا ي التجبر مثل فرعون وقومه. قوله: (وقيل حال من العذاب) أي متعلق بمحذوف، والمعنى واقعاً من جهة فرعون. قوله: {مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} خبر ثان لكان، والمعنى من المتجاوزين الحد. قوله: {عَلَىٰ عِلْمٍ} {عَلَىٰ} بمعنى مع، وقوله: {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} {عَلَى} على بابه للاستعلاء، فاختلف معناهما، وحينئذ فجاز تعلقهما بعامل واحد وهو اخترنا. قوله: (بحالهم) أي بكونهم أهلاً للاصطفاء، لكون أكثر الأنبياء منهم. قوله: (أي عالمي زمانهم) دفع بذلك ما يقال: إن ظاهر الآية، يدل على كون بني إسرائيل، أفضل من كل العالمين، مع أن محمد أفضل منهم، فدفع ذلك بأن المراد بالعالمين عالمو زمانهم، فلا ينافي في أمة محمد أفضل منهم. قوله: (العقلاء) المناسب أن يقول الثقلين، فإن من جملة العقلاء الملائكة، وبنو إسرائيل ليسوا أفضل منهم. قوله: {مِّنَ ٱلآيَاتِ} بيان مقدم على المبين. قوله: (نعمة ظاهرة) هذا تفسير للبلاء، فإن البلاء معناه الاختبار، وهو يكون بالمحن وبالنعم، هل يصبر أو لا؟ وهل يشكر أو لا؟ قوله: (أي كفار مكة) إنما أشار إليهم بإشارة القريب، تحقيراً لهم وازدراء بهم. قوله: {لَيَقُولُونَ} أي جواباً لما قيل لهم: إنكم تموتون موته تعقبها حياة، دل عليه قوله تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [البقرة: 28] كأنهم قالوا: مسلم أن لنا موتة تعقبها حياة، لكن المراد بها الأولى، وهي حالة النطفة، لا الثانية التي ينقضي بها العمر، فإنها لا تعقبها حياة. قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} هذه الآية نظير قوله تعالى: { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [الأنعام: 29]. قوله: {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا} أي أحيوهم لنا ليخبرونا بصدقكم.