التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
١٠
-الفتح

حاشية الصاوي

قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} الخ، لما ذكر سبحانه وتعالى أنه أرسله بشيراً ونذيراً، بين أن متابعته متابعة له، وطاعته له، وذلك يشعر بعظيم منزلته وقدره عند ربه، والبيعة في الأصل العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه، من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له، والمراد بها هنا، بيعة الرضوان بالحديبية، وهي قرية ليست كبيرة، بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلة، سميت ببئر هناك، واختلف فيها، فقيل من الحرم، وقيل بعضها من الحل، يجوز فيها التخفيف والتشديد.
قوله: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} اعلم أن في هذا المقام، استعارة تصريحية تبعية ومكنية وتخييلية ومشاكلة، فالتبعية في الفعل هو {يُبَايِعُونَ} وذلك لأن المبايعة معناها مبادلة المال بالمال، فشبه المعاهدة على دفع الأنفس في سبيل الله، طلباً لمرضاة الله بدفع السلع في نظير الأموال، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من البيع {يُبَايِعُونَ} بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل الله والمكنية في لفظ الجلالة، وذلك لأن المتعاهدين إذن كان هناك ثالث، يضع يده فوق يديهما ليحفظهما، فشبه اطلاع الله ومجازاته على فعلهم، بملك وضع يده على يد أميره ورعيته، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو اليد، فإثباتها تخييل، والمشاكلة لذكر الأيدي بعده. قوله: (هو نحن من يطع الرسول) الخ، أي من حيث إنه في المعنى يرجع له، وفيه إشارة إلى أنه تعالى منزه عن الجوارح. قوله: (يرجع وبال نقضه) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضافين. قوله: (بالياء والنون) أي وهما قراءتان سبعيتان. قوله: {أَجْراً عَظِيماً} أي وهو الجنة، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها بيعة الرضوان، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، فيشمل مبايعة الإمام على الطاعة والوفاء بالعهد، ومبايعة الشيخ العارف على محبة الله ورسوله، والتزام شروطه وآدابه، ومن هنا استعمل مشايخ الصوفية هذه الآية عند أخذ العهد على المريد.