التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٥٤
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
٥٥
-المائدة

حاشية الصاوي

قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا تحذير عام لكل مؤمن من موالاة الكفار، وبيان عاقبة من والاهم ومال إلى دينهم. قوله: {مَن يَرْتَدَّ} من اسم شرط جازم، ويرتد فعل الشرط، وجوابه قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ} الخ، والجملة خبر المبتدأ. قوله: (بالفك والإدغام) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (قد ارتدّ جماعة بعد موت النبي) أي وهم ثمان فرق: سبعة في خلافة أبي بكر، وفرقة في زمن عمر، وارتد ثلاث فرق أيضاً في زمن رسول الله، بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار لقب به لأنه كان له حماراً يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، وهو الأسود العنسي بفتح العين وسكون النون، وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله، فكتب الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه الله تعالى على يد فيروز الديلمي فبيته وقتله، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه الله تعالى على يد فيروز الديلمي فبيته وقتله، فأخبر رسول الله بقتله ليلة قتله، فسرَّ المسلمون بذلك، وقبض رسول الله من الغد، وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول، وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب، تنبأ وكتب إلى رسول الله: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي، ونصفها لك، فكتب إليه رسول الله: من محمد إلى رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، وهلك في خلافة أبي بكر على يد وحشي غلام مطعم بن عدي قاتل حمزة فكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام، وبنو أسد وهم قوم طلحة بن خويلد تنبأ، فبعث إليه رسول الله خالد بن الوليد فقاتله، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، والسبع اللاتي في خلافة أبي بكر الصديق هم: فزارة قوم عيينة بن حصن الفزاري، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم يربوع قوم مالك بن بريدة اليربوعي، وبعض تميم وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر بن وائل، فكفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق حين خرج لقتالهم حيث منعوا الزكاة، فكره ذلك الصحابة وقالوا هم أهل القبلة فكيف نقاتلهم؟ فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بداً من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء وحمدناه في الانتهاء، وقال بعض الصحابة: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. والفرقة التي ارتدت في زمن عمر بن الخطاب هم غسان، فكفى الله أمرهم على يد عمر رضي الله عنه. قوله: (بدلهم) أي بدل المرتدين، فالضمير عائد على من باعتبار معناها، وأشار بع إلى الرابط بين المبتدأ وخبره، وهذا لا يحتاج له إلا على قول بأن الجزاء وحده هو الخبر، وأما على القول بأن الخبر هو مجموع فعل الشرط والجزاء أو الفعل وحده، فلا حاجة لتقديره، لأنه موجود في يرتد. قوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} معنى محبة الله لهم إقامتهم له في خدمته مع الرضا والإثابة، ومعنى محبتهم لله موالاة طاعته وتقديم خدمته على كل شيء، ولما كانت محبتهم لله ناشئة عن محبة الله لهم، قدم محبة الله لهم. قال العارف رضي الله عنه على لسام الحضرة العلية:

أَيُّهَا المعْرِضُ عَنَّا إنَّ أَعْرَاضَكَ مِنَّا
لَوْ أَرَدْنَاكَ جَعَلْنَا كُلّ مَا فِيكَ يُرِدْنَا

قوله: (وأشار إلى أبي موسى الأشعري) أي فالقوم الأشعريون، وقيل هم أبو بكر وأصحابه الذين باشروا قتال المرتدين، والأقرب أن الآية عامة لأصحاب رسول الله ومن كان على قدمهم إلى يوم القيامة بقرينة التسويف. قوله: {أَذِلَّةٍ} جمع ذليل وقوله: (عاطفين) أشار به إلى أن أذلة مضمن معنى عاطفين لتعديته بعلى، والمعنى متواضعين لأنهم مغلظين على الكفار، ومن هذا المعنى قوله تعالى: { أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29]. قوله: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لإعلاء دينه. قوله: {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} تعريف بالمنافقين، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أوليائهم اليهود لئلا يحصل منهم اللوم لهم. قوله: {ذٰلِكَ} (المذكور) أي من الأوصاف الستة. قوله: (ونزل لما قال ابن سلام الخ) أي لما أسلم هجره قومه قريظة وبنو النضير.
قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ} الخطاب لعبد الله بن سلام وأتباعه الذين هداهم الله إلى الإسلام، فلما نزلت هذه الآية، قال عبد الله بن سلام: رضيت بالله رباً، وبرسوله نبياً، وبالمؤمنين أولياء، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من انتسب لله فهو وليه، قال تعالى:
{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [البقرة: 257]. قوله: {وَرَسُولُهُ} أي لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة، وقوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي لكونهم الإخوان، فمن تخلى عنه رسول الله أو المؤمنون فهو هالك، لأن موالة الثلاثة شرط في صحة الإيمان. قوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} بدل من الذين قبله، ومعنى إقامة الصلاة أداؤها بشروطها وأركانها وآدابها. قوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} أي الحقوق التي عليهم في أموالهم.
قولهم: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} الجملة حالية من يقيمون ويؤتون، وقوله: (خاشعون) أي فأطلق الركوع وأراد لازمه وهو الخشوع. قوله: (أو يصلون صلاة التطوع) أي فالمراد بالركوع صلاة النوافل وخصها بالذكر، لأن نفل الصلاة أفضل من نفل غيرها، وعليه فجملة وهم راكعون معطوفة على ما قبلها، فتحصل أنه وصفهم بأوصاف ثلاثة: إقامة صلاة الفرائض، وإيتاء الزكاة، وصلاة النوافل، وقيل قوله وهم راكعون حال من فاعل يؤتون الزكاة، والمراد بها ما يشمل صدقة التطوع والركوع على حقيقته، والمراد كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه، روي أنها نزلت في علي كرّم الله وجهه حين سأله سائل وهو في الصلاة فنزع خاتمه وأعطاه له.