التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧١
وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
-الأنعام

حاشية الصاوي

قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ} قيل سبب نزولها أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه دعا والده إلى عبادة الأصنام، فنزلت الآية أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد على عبد الرحمن ومن يقول بقوله، وفيه اعتناء بشأن الصديق وإظهار لفضله، حيث وجه الأمر إلى رسول الله، وفي الواقع الأمر لأبي بكر، والمعنى لا يليق منا عبادة من لا ينفعنا إذا عبدناه، ولا يضرنا إذا تركناه. قوله: {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} معطوف على أندعوا، فهو داخل في حيز الاستفهام. قوله: {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي بعد وقت هداية الله لنا.
قوله: {كَٱلَّذِي} صفة لموصوف محذوف، أي نرد رداً مثل الذي استهوته، والاستهواء من الهوى وهو السقوط من علو إلى سفل، سمى الاضلال بذلك، لأن من سقط من علو إلى سفل ولم يجد محلاً يستند عليه هلك، فكذلك من ترك الدين القويم ولم يتبعه هلك ولا يجد ناصراً وقد صرح بالمراد من هذا التشبيه في قوله تعالى:
{ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [الحج: 31] والحاصل أن المشرك بالله مع وجود من يدله على التوحيد، مثله مثل من اختطفته الشياطين وسارت به في المفاوز والمهالك، مع سماعه مناداة من يأخذ بيده ويخلصه منهم وهو مفرط وراض لنفسه بذلك، والمراد بالشياطين ما يشمل شياطين الإنس. قوله: {فِي ٱلأَرْضِ} متعلق باستهوته. قوله: حال من الهاء) أي في استهوته.
قوله {لَهُ أَصْحَابٌ} جملة في محل نصب صفة لحيران قوله: (والاستفهام الخ) أي وهو قوله أندعوا، والمعنى لا ينبغي غير الله بعد هدايته لنا، لأن من عبد غير الله بعد إيمانه بالله، كان كمثل من أخذته الشياطين فصار حيران لا يدري أين يتوجه، مع كون أصحابه يدعونه إلى الطريق المستقيم فلا يجيبهم. قوله: {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي التوفيق والاستقامة والجملة المعرفة الطرفين تفيد الحصر، فهو بمعنى إن الدين عند الله الإسلام.
قوله: {وَأُمِرْنَا} أي أمرنا الله بأن نسلم بمعنى نوحد وننقاد لرب العالمين. قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ} قدر المفسر الباء إشارة إلى أنه معطوف على أن نسلم، فهو داخل تحت الأمر أيضاً، وفيه التفات من التكلم للخطاب، وعطف التقوى عليه من عطف العام، وخص الصلاة بعد الإسلام لأنها أعظم أركانه. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} هذا دليل للأمر المتقدم وموجب لامتثاله، والمعنى امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، لأنكم تجمعون إليه ويحاسبكم. قوله: (أي محقاً) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، أي حال كونه محقاً أي موصوفاً بالحقية وهو وجوب الوجود الذي لا يقبل الزوال، ويحتمل أن يكون المعنى محقاً لا هازلاً ولا عابثاً، بل خلقهما لحكم ومصالح لعباده، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ } [الدخان: 38].
قوله: {يَوْمَ يَقُولُ} معمول محذوف قدره المفسر بقوله اذكر والواو للاستئناف. قوله: {يَقُولُ كُن} هذا كناية عن سرعة الإيجاد، وهو تقريب للعقول، وإلا فلا كاف ولا نون، قال تعالى:
{ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [النحل: 77]. قوله: {فَيَكُونُ} كل من كن ويكون تام يكتفي بالمرفوع، و (هو) ضمير يعود على جميع ما يخلقه الله. قوله: (يقول للخلق) أي جميعهم من مبدأ الدنيا إلى منتهاها، من العالم العلوي والسفلي. قوله: {ٱلْحَقُّ} يصح أن يكون مبتدأ وخبراً أو مبتدأ، والحق نعته خبره قوله يوم يقول. قوله: (لا محالة) أي لا بد من وقوعه وهو بفتح الميم مصدر ميمي، وأما بضم الميم فمعناه الباطل، وليس مراداً هنا. قوله: {يَوْمَ يُنفَخُ} إما ظرف لقوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} وخص بذلك وإن كان الملك لله مطلقاً، لأنه في ذلك الوقت لا يملك أحد شيئاً مما كان يملكه في الدنيا، قال تعالى: {} أو خبر عن الملك والتقدير ينفخ في الصورة له أو بدل من يوم يقول.
قوله: {فِي ٱلصُّورِ} هو نائب الفاعل. قوله: (القرن) أي المستطيل، قال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق، وفيه جميع الأرواح وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة، فالإحياء يحصل بإيجاد الله عند النفخ لا بالنفخ، فهو سبب عادي. قوله: (النفخة الثانية) أي وأما الأولى فعندها يموت كل ذي روح. قال تعالى:
{ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [الزمر: 68]. قوله: (وما غاب وما شوهد) أي بالنسبة، وإلا فالكل عند الله شهادة ولا يغيب عليه شيء، بل ما في تخوم الأرضين والسماوات بالنسبة له كما على ظهرها سواء بسواء. قوله: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} كالدليل لما قبله.