التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
١١
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
١٢
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ
١٣
-الأعراف

حاشية الصاوي

قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} الخ تذكير لنعمة عظيمة على آدم، سارية إلى ذريته موجبة لشكرها. قوله: (أي أباكم آدم) أي حين كان طيباً غير مصور. قوله: (أي صورناه) أي حين كان بشراً بتخطيطه وشق حواسه، وإنما جعل المفسر الكلام على حذف مضاف لأجل أن يصح الترتيب بثم، وإنما ينسب الخلق والتصوير للخاطبين إعطاء لمقام الامتنان حقه، وتأكيداً لوجوب الشكر عليهم بالرمز، إلى أن لهم حظاً من خلق أبيهم وتصويره، لأنهما من الأمور السارية في الذرية جميعاً. قوله: (أو أنتم في ظهره) هكذا في نسخه بأو، وفي أخرى بالواو، فعلى الأول يكون جواباً ثانياً. والحاصل أن الناس اختلفوا في {ثُمَّ} في هذين الموضعين، فمنهم من لم يلتزم فيها ترتيباً، وجعلها بمنزلة الواو، وأبقى الآية على ظاهرها، ومنهم من قال هي للتريث الزماني، وجعل الكلام على حذف مضاف في الخلق والتصوير. قوله: (سجود تحية بالانحناء) أشار بذلك إلى أن المراد السجود اللغوي وهو الانحناء، كسجود إخوة يوسف وأبويه له، وقد كان تحية للملوك في الأمم السابقة، وعليه فلا إشكال، وقال بعضهم: إن السجود شرعي بوضع الجبهة على الأرض لله وآدم قبله كالكعبة، ويحتمل أن السجود على ظاهره لآدم، وقولهم إن السجود لغير الله كفر محله إن كان من هوى النفس لا يأمر الله، ونظير ذلك تعظيمنا مشاعر الحج فتأمل.
قوله: {فَسَجَدُوۤاْ} أي قبل دخول الجنة، وأول من سجد: جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، واختلف في مدة السجود، فقيل مائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، وقيل غير ذلك. قوله: (أبا الجن) هذا أحد قولين، والثاني هو أبو الشياطين، فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد. قوله: (كان بين الملائكة) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، وأنه ليس من الملائكة، قال في الكشاف: لما اتصف بصفات الملائكة جمع معهم في الآية واحتيج إلى استثنائه، ويدل على ذلك قوله تعالى:
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] وقال بعضهم إنه من الملائكة، فالاستثناء متصل وقوله تعالى كان من الجن أي في الفعل، والمعول عليه الأول.
قوله: {مَا مَنَعَكَ} ما استفهامية للتوبيخ في محل رفع بالابتداء، والجملة بعدها خبر، و {أَنْ} في محل نصب أو جر، لأنها على حذف حرف الجر و {إِذْ} منصوب بتسجد، والتقدير أي شيء منعك من السجود حين أمرتك. قوله: (زائدة) أي لتأكيد معنى النفي في منعك، فهو كما في ص بحذفها وهو الأصل، لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً. قوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} هذه الجملة لا محل لها من الإعراب، لأنها كالتفسير والبيات لما قبلها من دعوى الخيرية.
فائدة: قال هنا: {مَا مَنَعَكَ}، وفي سورة الحجر قال:
{ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } [الحجر: 32] وفي سورة ص { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75] الآية، اختلاف العبارات عند الحكاية، دل على أن اللعين قد أدرج في معصية واحدة ثلاثة معاً: مخالفة الأمر، ومفارقة الجماعة، والاستكبار مع تحقير آدم، وشبهة الخيرية أن النار جسم لطيف نوراني، والطين جسم كثيف ظلماني، وما كان لطيفاً نورانياً، خير مما كان كثيفاً ظلمانياً، ولما كان ما احتج به على ربه باطلاً، لكون الطين فيه منافع كثيرة وفوائد جمة، ويتوقف عليه نظام العالم لاحتياجه إليه، ولما ينشأ عنه من النبات والماء اللذين هما غذاء العالم السفلي، والنار منافعها قليلة، ولا يتوقف عليها نظام العالم، لوجود كثير منه غير محتاج لها، ولا لما يسوى بها، رد عليه المولى بأشنع رد، وأجابه بجواب السائل المتعنت المتكبر بقوله: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} الآية.
قوله: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} الفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من مخالفة اللعين. قوله: (أي من الجنة) أي وعليه فبقي في السماوات خارج الجنة. قوله: (قيل من السماوات) أي فلم يبق له استقرار في العالم العلوي أصلاً. قوله: {} أي ولا في غيرها، ففي الكلام اكتفاء، لأن الكبر مذموم مطلقاً. قوله: (الذليلين) تفسير للصاغرين من الصغار، وهو بالفتح الذل والضيم.