التفاسير

< >
عرض

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٥٤
ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
٥٥
وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٦
-الأعراف

حاشية الصاوي

قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ} أي لا غيره. قوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي وأولها الأحد، وآخرها الجمعة، كما ورد أنه ابتدأ الخلق في يوم الأحد، وأنه خلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين، والسماوات في يومين: الخميس والجمعة، وأنه خلق الجبال والوحوش والأشجار والزرع في: الثلاثاء والأربعاء، وروى مسلم والحاكم عن ابن عباس إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الصخر والماء والطين والعمران والخراب، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، فخلق الله في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية ألقى الله الألفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وخلق في الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة، واستشكل ذلك بأنه لم يكن ثم شمس، والجواب بأن المراد في قدرها لا يجدي نفعاً إلا أن يقال: إن ذلك التقدير في علم الله، بحيث لو كانت الأيام موجودة لكانت كذلك، ثم اعلم أن ما هنا من الأحاديث موافق لما يأتي في سورة فصلت، من أن خلق الأرض مقدم على السماء، ولا تنافي بينه وبين ما يأتي في سورة النازعات في قوله تعالى: { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } [النازعات: 30] المقتضى تقديم السماء على الأرض، لأن الدحي غير الخلق، فإن الأرض خلقت أولاً كرة، ثم بعد خلق السماء بطست الأرض. قوله: (أي في قدرها) جواب عن سؤال مقدر أفاده المفسر بقوله: (لأنه لم يكن ثم شمس). قوله: (التثبت) أي التمهل في الأمور وعدم العجلة. قوله: (هو في اللغة سرير الملك) أي وتسميته عرشاً، إنما هو بالنسبة لما عدا الراكب عليه لعلوه عليهم، وأما المراد به هنا فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيط بكلها. قوله: (استواء يليق به) هذه طريقة السلف الذين يفوضون علم المتشابه لله تعالى، وهذا نظير ما وقع لمالك بن أنس أنه سأله رجل عن قوله تعالى: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه: 5] فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا عني هذا المبتدع، وأما طريقة الخلف فيؤولون الاستواء بالاستيلاء والتصرف وهو المراد، قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

وقد أشار صاحب الجوهرة للطريقتين بقوله:

وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها

قوله: (مخففاً ومشدداً) أي فهما قراءتان سبعيتان، وعليهما فالليل فاعل والنهار مفعول لفظاً ومعنى، ووجب تقديم ما هو فاعل معنى لئلا يلتبس، نحو أعطيت زيداً عمراً. قوله: (أي يغطى كلاً منهما بالآخر) يشير إلى أن في الآية حذفاً تقديره ويغشى النهار الليل، ويؤيده آية: { يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ } [الزمر: 5]. قوله: {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} أي ليس بينهما فاصل، والحث والحض بمعنى واحد، وهو الطلب بسرعة، وحثيثاً نعت مصدر محذوف، أي طلباً حثيثاً. قوله: (بالنصب عطفاً على السماوات) أي ونصب: {مُسَخَّرَاتٍ} على الحال من: {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ} أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (مذللات) أي مسيرات، فحيث سيرها سارت، وفي هذا رد على الفلاسفة القائلين بتأثير الكواكب في العالم السفلي، فهي أسباب عادية توجد الأشياء عندها لا بها.
قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} ألا للاستفتاح يؤتى بها مبدأ الكلام البليغ الذي يقصد به الرد على المنكر، والمراد بالخلق الإيجاد، وبالأمر التصرف، فهو منفرد بالإيجاد والتصرف فلا شريك له فيهما، وتصرف الحادث إنما هو بتصريف الله له، وليس لمخلوق استقلال بتصريف أبداً، وإنما العبيد مظاهر التصريف، فمن أكرمه أجرى جلب الخير ودفع الضر على يديه، كمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ومن أهانه أجرى الشرور على يده.
قوله: {تَبَارَكَ} فعل ماض جامد لا يتصرف، ومعناه تمجد وتنزه عن صفات الحدوث. قوله: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} أمر لجميع العباد بالتوجه في الدعاء لله سبحانه وتعالى، أي فحيث علمتم أن الله هو المتصرف في خلقه إيجاداً وإعداماً وإعطاءاً ومنعاً، فوجهوا إليه قلوبكم واسألوه بألسنتهم، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى للدعاء أربعة شروط: التضرع والخفية والخوف والطمع. قوله: (حال) أي من الفاعل في: {ٱدْعُواْ} أي ادعوا حال كونكم متضرعين متذللين، لأن الدعاء إذا كان مع التذلل كان للإجابة أقرب. قوله: (سراً) أي باسماع نفسه، لأن الله تعبدنا بالدعاء كما تعبدنا بالقراءة، فلا يكفي مرور الدعاء على قلبه. واعلم أن باسماع نفسه، لأن الله تعبدنا بالدعاء كما تعبدنا بالقراءة، فلا يكفي مرور الدعاء على قلبه. واعلم أن الإنسان إذا كان وحده، فالسر أفضل له إن كان ينشط في ذلك إلا فالجهر أفضل له كالجماعة. قوله: (بالتشدق) هو كثرة الكلام من غير حضور في القلب فهو راجع لقوله: {تَضَرُّعاً} وقوله: (ورفع الصوت) هو راجع لقوله: {وَخُفْيَةً}. قوله: {خَوْفاً} الخوف غم يحصل من أمر مكروه يقع في المستقبل.
قوله: {وَطَمَعاً} الطمع توقع أمر محبوب يحصل في المستقبل، ومنه رجاء الإجابة، ففي الحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" وفي الحديث أيضاً:
"ما من عبد يرفع يديه ويقول يا رب إلا ويستحي الله أن يردهما صفرين" فاستفيد من هذا أنه ينبغي للداعي الخوف والرجاء، فيجعلهما كجناحي الطائر، إن مال أحدهما سقط. قوله: (المطيعين) أي ولو بالتوبة، فالمطلوب تقديم التوبة على الدعاء ليقع الدعاء من قلب طاهر، فيكون أقرب للإجابة. قوله: (وتذكير قريب) جواب عما يقال إن: {قَرِيبٌ} في الأصل وصف في المعنى لرحمة وهي مؤنثة، فكان حقه التأنيث. فأجاب بأنه اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهو لفظ الجلالة، أو يقال: {إِنَّ رَحْمَتَ} مجازي التأنيث فيوصف بالمذكر، أو يقال إن معنى الرحمة الثواب وهو مذكر فوصفه بالمذكر من حيث المعنى.