التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
٢٥
ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٧
-التوبة

حاشية الصاوي

قوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} الخطاب للنبي وأصحابه، بتعداد النعم عليهم. قوله: فِي مَوَاطِنَ} جمع موطن كمواعد وموعد، ويرادفه الوطن وهو محل السكنى. قوله: (وقريظة والنضير) الكلام على حذف مضاف، أي وموطن قريظة وموطن النضير.
قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} ظرف لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر) وقيل معطوف على {مَوَاطِنَ} من عطف ظرف الزمان على ظرف المكان، ورد بأنه يقتضي أن قوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} يرجع لقوله: {مَوَاطِنَ} أيضاً لأنه بدل من يوم حنين، ولا يصح ذلك، أن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، بل في خصوص حنين، فتعين ما قدره المفسر، قوله: (واد بني مكة والطائف) أي وبينهما ثمانية عشر ميلاً، وفي بعض العبارات ثلاث ليال. قوله (هوازن) أي وهم قبيلة حليمة السعدية. قوله: (سنة ثمان) أي من الهجرة، وهي سنة فتح مكة، لأن مكة فتحت في رمضان، وغزوة هوازن في شوال عقبه. قوله: (من قلة) أي من عدد قليل. قوله: (وكانوا اثني عشر ألفاً) عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار. وألفان من الذين أسلموا في مكة بعد فتحها. قوله: (والكفار أربعة آلاف) الذي في شرح المواهب أنهم أكثر من عشرين ألفاً.
قوله: { فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} أي لم تنفعكم ولم تدفع عنكم شيئاً. قوله: (أي مع رحبها) أشار بذلك إلى أن الباء بمعنى مع، والجملة حال أي متلبسة برحبها، والرحب بالضم السعة، وبالفتح الواسع. قوله: (وليس معه غير العباس) أي وقد كان آخذاً بلجام بغلته. قوله: (وأبو سفيان) أي ابن الحرث بن عبد المطلب. وقد أسلم هو والعباس يوم الفتح، وفي بعض السير: أن الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين مائة وثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وستة وستون من الأنصار، ويجمع بين ما قاله المفسر وغيره بأنه لم يبق متصلاً بالبغلة إلا اثنان، والباقون مشتغلون بالحرب لم يفروا. قوله: (فردوا) أي رجعوا جميعاً كالفصيل الضال عن أمه إذا وجدها. قوله: (لما ناداهم العباس) أي وكان صيتاً يسمع صوته من نحو ثمانية أميال.
قوله: {لَّمْ تَرَوْهَا} قيل كانوا خمسة آلاف، وقيل ستة عشر الفاً ولم يقاتلوا، بل نزلزا لتقوية قلوب المسلمين، وروي
"عن رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، لم يقوموا لنا حلب شاة، فما القيناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا" ، وروي "أن الملائكة الذين نزلزا يوم حنين، عليهم عمائم حمر، راكبين خيلاً بلقاً" . قوله: (بالقتل) أي لبعضهم وهو أكثر من سبعين. قوله: (والأسر) أي للنساء والذراري وكانوا ستة آلاف، ولم تقع غنيمة أعظم منها، فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر الفاً، وقيل أربعة وعشرون ألفاً، ومن الغنم ما لا يحصى، وكان فيها غير ذلك، ولما هزمهم قصد إلى الطائف، وأمر بجعل الغنائم في الجعرانة حتى يأتي إليهم، "فلما رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف، انتظر هوازن بضعة عشر يوماً، ليقدموا عليه مسلمين، ثم أخذ في قسمة الغنائم، وكان في السبي اخت رسول الله من الرضاع، وهي بنت حليمة السعدية، فأطلقها رسول الله واكرمها وردها لقومها، فأخبرتهم بما وقع لها من رسول الله من الإكرام، فكان ذلك باعثاً على إسلامهم، أتى منهم جماعة وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس وأبرهم، فأردد علينا أموالنا وأهلينا، قال لهم: أن خير القول أصدقه، اختاروا إما أموالكم، وإما ذراريكم ونساءكم، قالوا: ما كنا نعدل بالأحسان شيئاً، فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأما ما كان لغيرهم فسأطلب فيه معروفهم، ثم قال لهم: إذا أنا صليت فتقدموا إلي وأخبروني بذلك، ففعلوا كما أمروا، فقال صلى الله عليه وسلم: من طابت نفسه بشيء أن يرده فليفعل" ، فقالا: رضينا بذلك وسلموه الأموال والأسارى.