التفاسير

< >
عرض

وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ
١٦
قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ
١٧
وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
١٨
-يوسف

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} سر هذه الاية ان طبيعة البشر اذا ظفرت بموادها رقت فاذا دعيت بالبكاء اجابت ولكن لا يكون بكاءها الا من فرح الخداع وحب الجاه والرياسة وان ذلك البكاء اكثره تباكيا بكوا بغير عبرة ولا بفلق وحزن من اسف ولا بزفرة جاؤا عناء حتى لا يتبين تباكيهم من بكاءهم وليرتفع من بينهم وبين ابيهم سجوف الاحتشام

اذا اشتبكت دموع فى خدود تبين من بكا ممن تباكا

قيل اخروا المجئ الى وقت العشاء الاخرة ليدنسوا على ابيهم وقيل ليكونوا اجراء فى الظلمة على الاعتذار وترويح ما مكروا قوله {وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} فتح الله سبحانه ثوب رزق الرازقين فى هذه الاية الذين زينوه بالرزق والسودد ادعوا صدق المقامات والكرامات وان دم الكذب اشارة الى من يدعى جراحة المحبة على قلبه ودم القلب من ذبح الله اياه بسيف محبته وليس كذلك فان دم المقتولين بسيف المحبة دم صدق يصدق صاحبه فى عيون الصادقين قال عليه السلام المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور ومن كذب وقع كذبه فى قلوب === والعجب ان ما يطلع عليه العوام كيف لا تطلع عليه قلوب الانبياء والصديقين هاجت طبيعتهم بسر الحسد === منه الكذبات والجنايات لان مثل الحسد كالنار المخفية فى الزبد فاذا خرجت تحترق العالم بها قال الحسين بن الفضل لما كذبوا فى ابتداء الامر بقولهم واكله الذئب رجعوا فى اخر الحال عند الاعتذار الى الكذب حين قالوا ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل بين الله سبحانه بقوله بل سولت لكم انفسكم امرا فراسة يعقوب واطلاعه على اسرارهم فى المكر وعرفهم سر مكائد نفوسهم ولم يعرفوها والانفس ههنا اسرار تقدير قهر الازل اى انتم مخدعون بخداعكم وانا لا ارى فى البين غير سابق التقدير فالبس سربال الصبر الجميل فى مراد الجليل والصبر الجميل ما يصبر به صاحبه بالله لا بنفسه بنعت شهود سره مشاهدة المقدر والميل فى بلائه وتقديره قال تعالى وما صبرك الا بالله وقال سبحانه واصبر لحكم ربك فانك باعيننا وتحقيق هذا الصبر سكون القلب بما يجرى عليه الرب سبحانه بنعت ذوقه صفاء الذكر وادراك رؤية المذكور وتحقيق ذلك قوله تعالى {وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} اى استعانتى فى بلائه وصبرى به لا بغيره وانشد الشبلى فى حقائق الصبر

عبرات خططن فى الخد سطرا فقراء من لم يحسن يقرا صابر الصبر

فاستغاث به الصبر فصاح المحب بالصبر صبرا قال الحسين الصبر الجميل السكون الى موارد القضاء سرا وعلنا وقال ايضا الصبر الجميل تلقى المحنة بمشاهدة المنة قال الترمذى الصبر الجميل ان يلقى العبد عنانه الى مولاه ويسلم اليه نفسه مع حقيقة المعرفة فاذا جاءه حكم من احكامه ثبت له مسلما لوارد الحكم ولا يظهر بورود حكمه جزعا بحال قال يحيى بن معاذ الصبر الجميل ان يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر.