التفاسير

< >
عرض

وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
١٩
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ
٢٠
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٢١
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٢٢
-يوسف

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ} فلما خرجت الارواح من اماكن العدم وطارت فى هواء القدرة وطلبت انوار موارد القدم فوجدت قاموس الكبرياء فادلت دلاء الهمم فيها فانكشف لها من مطالع الازل شموس المشاهدة واقما رالعزة فلما ظفرت بموارد الحقيقة صاحت بصياح العشق وقالت يا بشرى هذا شاهد القدم وعروس الازل فوجدت شاهدها وفرحت بمشاهدته وطارت سكرانه فى هواء ازاله واباده من الفرح ببقاء لانها وجدت بضاعة المعارف وريح الكواشف قوله تعالى {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} جعلت انوار جلاله فى صميم اسرارها وسترها عن الاغيار وجعلها بضاعة التوحيد والمعرفة والمحبة ليريح بها مداناة الوصاف والاستيناس بالجمال يا ليت لسيادة يوسف لو عرفت ما فى وجه يوسف من تلألؤ انوار حسن الازل لسجدت له كما سجدت الملائكة لانهم لا للعبودية ولكن للعشق والمحبة لانه كان شاهد الله فى شاهد الله قال جعفر كان لله تعالى فى يوسف سر فغطى عليهم موضع سره ولو كشف لهم عن حقيقة ما اودع فيه لماتوا لا تراهم كيف قالوا هذا غلام ولو عجلوا اثار القدرة فيه لقالوا هذا بنى وصديق ولما كشف للنسوة بعض الامر قلن ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم ولما لم يعرفوه بخاصية النبوة والولاية ولم يروا عليه اثار جمال الله سبحانه باعوه بثمن بخس لجهلهم به وبما فيه من ودائع كنوز القدرة وانوار المشاهدة والعلوم اللدينة الغيبية بقوله {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} لو كان فيهم ما كان فى يعقوب من عشق الله ومحبته وما راى فى مرآة وجهه من انوار قدرة البارى سبحانه ما باعوه بالكونين والعالمين لان ما فى وجه يوسف من جمال الظاهر لم يكن فى الكونين الا فى امثاله من الانبياء والصديقين وجمال ظاهره كان من جمال باطنه ولوا طلعوا على جمال باطنه لوقعوا بين يديه صرعى من سكر محبته ولراوا عجائب الملكوت والجبروت فى ظاهره وباطنه قال جعفر باعوا بالبخس من الثمن لجهلهم بما اودع الله فيه من لطائف العلوم وبدائع الآيات قال ابن عطا ليس ما باع اخوه يوسف من نفس لا تقع عليها البيع باعجب من بيعك نفسك بادنى شهوة بعد ان بعتها من ربك باوفوا الثمن قال الله ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة فبيع ما قد تقدم بيعه باطل وانما باع يوسف اعداؤه الذين كانوا يعادونه وأنت تبيع نفسك من اعدائك وهى شهواتك وهواك واعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك وقال الجنيد انما باعوه بذلك الثمن حيث لم يتفرسوا فيه ما كان به لانه لم يكن وضع لهم فى جنبه حظ الا ترى الى الذى اشتراه لما كان له فى يوسف حظ كيف قال اكرمى مثواه عسى ان ينفعنا فصدق فيه فراسته ونال به الهداية وقال ابن عطا لو جعلوا ثمنه الكونين لكان نجس فى مشاهدته وما خص به قال الجنيد كل ما وقع تحت العدد والاحصاء فهو نجس ولو كان الكونين فلا يكن حظك النجس وهو كل شئ دونه ولما لم يعرفوا مكانته وباعوه اشتراه من راه بعين الحقيقة واعد === جلاله وقدره فى اخص موضع فى العالم وهو مكان المحبة والعشق بقوله {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} اشتراه بالدنيا للاخرة معرفة بجلاله وجماله وقال لامراته اكرمى مثواه اى لا تنظرى اليه بنظر الشهوة فان وجهه مرآة تجلى الحق فى العالم واين طور سيناء فى مكانته من وجه يوسف وتجلى الحق من طور سيناء لموسى وتجلى الحق من وجه آدم للملائكة وتجلى الحق من وجه يوسف لاجرام الملكوت وسلاطين معارف الجبروت وليعقوب وامثاله من انظار الغيب الا ترى كيف قال سبحانه انى رايت احد عشر كوكبا الآية وايضا اكرمى تقواه بتقواك وايضًا اكرمى مثواه فانه بهديهة امر الفعل فى مجمع عين الجمع لا تنظرى اليه بعين العبودية ولكن انظرى اليه بنظر المعرفة لترى فيه انوار الربوبية وايضا اكرمى اجعلى محبته فى قلبك لا فى نفسك وان القلب موضع المعرفة الطاعة والنفس موضع الفتنة والشهوة عسى ان ينفعنا ان يعرفنا منازل الصديقين ومراتب الروحانيين ويبلغنا بركة صحبته الى مشاهدة رب العالمين قال بعضهم فى قوله اكرمى مثواه احسنى صحبته فى الدنيا لعله ان يكون لنا شفيعا فى الاخرة قال الجنيد فى قوله اكرمى مثواه من النظر الى يوسف وركز قلبه اليه صار يوسف محنة عليه قالت له امراته ما جزاء من اراد باهلك سؤالاً ان يسجن ثم ان الله سبحانه وصف ما وهب الى يوسف من احكام الغيب وروية كشوفات الملكوت وتمكينه فى المعرفة والنبوة والرسالة بقوله {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} مكناه صبرناه عظيما فى تمكين المعرفة وحمل وارد مشاهدة الغيب وسكناه من فورات الاحوال وتغائر التلوين وبلغناه حقائق الصحو ليكون كهفا لغرباء المعرفة والمسترشدين من اهل المحبة وليعرفه بعد تمكينه حقائق المكاشفات وتاويل لطائف المنامات وما يبرز من الملكوت فى اللبس المجهولة من تصرف الملائكة وقوله { وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} ان كان الهاء راجعة الى يوسف هو تعالى المتولى على امر يوسف بان خلصه من مكان الامتحان وبلغه الى درجة الرضوان وبان نجاه من فتنة الطغيان وورطة الحرمات بان كشف له البرهان والسلطان حين مكر به الشيطان خلصه من كيد الحساد وجعله قبرة الاوتاد والله غالب على امره حين دبر يعقوب فى حقه ما دبر ليعرفه غلبة سلطان قهره واستيلاء تقديره على تدبيره غالب على امر يوسف حين براه من آفة شهوة زليخا حين همت به وهم بها قال تعالى لولا ان برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وايضا والله غالب على امره على امر عشقه وعشق زليخا لان مكان العشق ممزوج بطباع الانسانية وان كان صرف العشق من زند نعوت عشق الازل فكشف له سلطنة الكبرياء وخلصه بالكبرياء من مقام العشق الممزوج بطبع البشر كانه غلب الصفة على الصفة وانكان الهاء راجعا الى الله سبحانه فيه اشارة لطيفة ان امره من عالم الفعل والاحكام والرسوم الشريعة والطريقة والعقول مكلفة به === وغلب === بالشريعة وغلب مقادير الازلية امرا امرا وغلب على امره بنسخه وتبديله امر يوسف بالتبرى عن الاخيار وبان لا يلتفت الى الحدثان فى مكان العرفان لكن غلب جلال قدره وانكشف ليوسف فى وجه زليخا فاظهر القدس وجره بالقدس الى الهمة ليذوقه حلاوة عشق الانسان ليفوز به عشق الربانى ومن هناك رقاه الى مدارج ملك الازال والاباد ومن لم يكن بدايته عشقا كان من المجاهدين لا من العارفين لا بان العشق طاروا الى جناب مشاهدة الحق وان العشق مركب عشقه والعفق من عشقه صدر لانه كان عاشقا فى الازل عشقه معادن جميع عشق العشاق قال تعالى يحبهم ويحبونه كما ان حسن يوسف وزليخا وجميع الحسن فى العالم انشعب من حسنه وجلاله وجماله كان عشقه غلب على امر العبودية كان العشق صفة الربوبية ولم يكن عجبا غلبة الربوبية على العبودية وايضا ما دام الام خارجا عن اماكن الافعال وصار صرف افصفات فهو غالب على جميع الحدثان وتدبير اهل العرفان لانه واحد فى ملكه احد فى ملكوته والكائنات خاضعة فانية لجبروته وما ذكرنا من هذه المعانى الغريبة والتفاسير العجيبة من حقائق امر الالوهية لا يعرفها الا ابناء المعرفة ونظار المشاهدة قال الله تعالى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعلمون مواضع تقدير الازلية حيث دبّر امور الحدثان من العرش الى الثرى وكيف يطلع الحدثان على قدم الرحمن قال ابن عطا غالب على امر نفسه اجراه على ما شار الى من شاء وصرف عمن شاء ولكن اكثر الناس لا يعلمون انه الغالب فى امره الذى امر عباده من طاعتهم ان شاء يسر لهم من طاعته وان شاء عجزهم فيها قال الواسطى يصرفهم فى تدبيره ويدبرهم فى تصريفهم ويوجد منهم المفقود ويفقد منهم الموجود فالاضافات ضرب من الاشراك ثم وصف الله سبحانه بلوغ يوسف اشد النبوة والولاية والتائيد الازلية وما وهبه من انوار العلوم والحكمة بقوله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} اشده تمكينه واستقامته فى المعاملات والحالات ومراتب الاداب فى العبودية كوشف له تصرفات الربوبية فى معادن المكاشفة حكما وعلما حكما بالعبودية وعلما بالربوبية حكما بالطريقة علما بالحقيقة حكما بممالك الدنيا وعلما بممالك الاخرة {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} نجازى المحسنين الذين راقبوا الله سرا وعلانية وبذلوا مهجتهم بالله وفى الله الى الابد قال النصرابادى فى هذه الاية لما عقل عن الله اوامره ونواهيه والاستقام معه على شروط الادب اعطيناه حكما على الغيب فى تعبير الرويا وعلما بنفسه فى مخالفة هواها.