التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٦
-إبراهيم

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} مظنة الاية فى حقيقة معناها البلد القلب والقلب بلد البدن والعقل بان القلب والروح بلد العقل والسر بلد الروح والمعرفة والمحبة بلد السر ومشاهدة المعروف هناك بلد المعرفة والمحبة وسواكن هذه البلاد عساكر انوار افعاله وفرسان تجلى صفاته وجنود عظائم ازاله وآباده والنفس بلد الشهوات وسواكنها جنود القهريات فاستعاذ به فى هذا البلد عن جنود القهر الذى معادنها النفس الامارة اى اجعل هذا البلد امنا === عن قهرك وبالروح والقلب عن النفس وجند شياطينها وهواجسها وسراق طبيعتها واجعلنا امنا بك عنك كما قال اعوذ بك منك ثم سأل وقايته عن عبادته وبنيه اصنام الطبيعة والالتفات الى الغير فى طوارق البلاء بقوله {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} كل ما وقف العارف عليه مما وجد من الحق غير الحق فهو صنمه ثم قال {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} اى رؤية غيرك ومتابعة هذه الشهوات والهوى اضلت لما فيها من معجون قهرك كثيرا من المريدين والطالبين حيث ارتبطهم فى مهوات الهلاك ووطات الغفلات قال عليه السلام النفس هى الصنم الاكبر ثم وصف نفسه بالامامة فى الخلة والمعرفة والشريعة والطريقة بقوله {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} اى فى طريق المجاهدة والمحبة والخلة بالموافقة فى بذل الروح بين يديك فانه منى ان طينته من طينتى وقلبه من قلبى وروحه من روحى وسره من سرّى ومشربه فى المحبة والمعرفة والخلة من مشاربى ومن عصانى فيما يكون عصيانك ويقتضى حجابك ليس منى ولكن انك غفور ذنوب قاصديك رحيم بمريديك بقوله {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيه اشارة الى ان كفر الكافرين وعصيان العاصين يستغرق فى بحار رحمته وغفرانه وان يدخلهم فى جنانه لا يبالى والحكمة فى قوله ومن عصانى وانه لم يقل ومن عصاك انه كان عليه السلام فى محل الخلة والخلة توجب المحبة والمحبة توجب المودة والمودة توجب الشوق والشوق يوجب العشق والعشق محل الاتصاف والاتحاد وعين الجمع وجمع الجمع فالاشارة بقوله ومن عصانى اشارة عين الجمع بعد انسلاخه من رسوم الحدوثية كانه قال فمن تبعنى تبعك ومن عصانى عصاك لان فى حقيقة العشق العاشق والمعشوق واحد الا ترى الى قول الحلاج قدس الله روحه
ها انت ام انا هذا الهين فى الهين حاشاى حاشاى من اثبات اثنين
وايضا لما قال فمن تبعنى فانه منى قال ايضا ومن عصانى موافقا للقول الاوّل كانه اشاران طاعة الخليقة ومعصيتها تليق بالخليقة وانت منزه عن طاعتهم وعصيانهم اى انا من جنسهم وهم من جنسى وانه منزه عن المجانسة بالحدثان وايضا اضاف عصيانهم الى نفسه لان عصيان الخلق للخالق غير ممكن لا ما يبدو منهم من جميع الحركات اجابة وجودهم بوصف الكينونة لداعى السنته مشيته وارادته القديمة وهذا فى الحقيقة عين الطاعة وان لم يكن فى === صورة طاعة تكليف الشرع سئل عبد العزيز المكى لما لم يقل الخليل عليه السلام ومن عصاك قال لانه عظم === واجله بان يخاطبه بان يجترى ان يعصيك احداى من يطيق ان يوازى قدمك بما يليقك من الطاعة ويجترى ان يعصيك تعجز الخلق عن طاعتك وعصيانك بالحقيقة واى معصية تبلغ عصيانك واى طاعة تبلغ طاعتك وكانّى اريد طاعة ومعصية تبلغان محل الاحاطة بالقدم وذلك مستحيل فاذا لا طاعة ولا معصية الا لغيرك قال ابن عطا اراد بهذا ان يجعل قلبه امنا من الفراق والحجاب وقال جعفر بن محمد اجعل هذا البلد امنا يعنى افئدة العارفين اجعلهم امناء سرك وامنون من قطيعتك وقال السارى فى قوله ان نعبد الاصنام ان نعبد الاهواء قال جعفر لا تردنى الى مشاهدة الخلة ولا ترد اولادى الى مشاهدة النبوة وقال الجنيد امنعنى وبنى ان نرى لانفسنا وسيلة اليك غير الافتقار وقال بعضهم وامنعنى وبنى ان نقرب اليك بشئ سواك وقال بعضهم لما هذّب الخليل فى السر رافة للمؤمنين قيل له ومن كفر قال فى قوله ومن عصانى لم يدع عليهم ولكن قال فان من صفتك الغفران والرحمة ليس لى على عبادك يد وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال اصنام الخلة هو خطرات الغفلة ولحظات المحبة وقال ايضا كان ابراهيم عليه السلام آمنا من عبادة الاصنام فى كبره وقد كسرها فى صغره لكنه علم ان هوى كل انسان صنمه فاستعاذ من ذلك وقال ان نبينا صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب فى معنى العفوا ثم حيث قال جزما وسوالا حتما اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون وابراهيم عرّض وقال فانك غفور رحيم.