التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
٧٩
-آل عمران

عرائس البيان في حقائق القرآن

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} الاية اى ليس من يختص بقربة الحق وكشف ماشهدته ان يلتفت سره الى رياسة الخلق وحرمتهم له وان يرى لنفسه قيمة عند اجلال عظمة الحق لان من بلغ تحقيق التوحيد لا يرى لنفسه وزنا عندما يبدوا من تجلى عظمة الحق ويكون خجلا على الدوام بين يدى الرحمن من وجوده عند وجود الحق ويريد فناء وجوده استحياء من ربه تعالى ولكن ما راى نعم الله تعالى من كشف جماله وقرب وصاله وتعرفه بالجلال والعزو والكبرياء والعظمة والقهر واللطف اشق على الخلق ويدعوهم الى عبادته وطالب مرضاته وهذا معنى قوله تعالى {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} ومعنى كونوا ربانين امر من الحق تعالى لانبيائه واوليائه اى كونوا موصوفين بصفتى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تخلقوا باخلاق الرحمن" وهذا وصف من كساه الله سنا قدس جمال الازلى وجلال بدى قبل كون طينة البشر فكان منورا بنور صبح القدم اذا الاشباح والاجسام فى العدم فاذا سكن الارواح فى ظلهم لهالك خاطبهم بخطاب الانبساط فقال لا تنسبوا الى الماء والطين ولكن انتسبوا الى الحق بنعت المحبة والمكاشفة والمشاهدة والانصاف بصفاته والتربية فى حجر وصاله وكونهم بافعاله الخاصة الذاتية القدمية وليس هؤلاء كمن كان كونه الامر لان الامر للعوام والفعل للخواص مع ان الحق جل عن الاشكال والاشباه والخيال والاوهام والافهام والجزء الكل والتبعيض والصور والازمان والمكان تعالى كبرياؤه وجلت صفاته قوله {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} اى لكم خاصة علم اللدنى وعلم الكتاب والسنة والشعريفة بها يلزم عليكم الخروج عن رسم الانسانية واصاف البشرية وقال جعفر الصادق فى قوله تعالى كونوا ربانين قال مستعمعين يسمع القلوب وناظرين باعين الغيوب وقيل وكونوا بانيين علما والله حلماء عن عباده وقال ابن عطا عاينوا اول تربيتكم ليخلصوا من هذه الاوقات كلها وقال ايضا اخرجهم بهذا الخطاب عما خاطبهم به من العبودية قال الواسطى عانيوا اوقات تربيتكم وتقديركم قبل أدم ومحمد عليهما الصلوة والسلام فالانتساب الى أدم الافتخار بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بالافتخار ممن قدسك فى الازل وقال ايضا قال كونوا كابى بكر اذا اورد عليه قوادح الامور لا يوثر على سره حين قال النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر دع بعض مناشدتك ربك فانه ينجز لك ما وعدك وقال ايضا فى هذه الأية ام ابراهيم عليه السلام بالاستسلام وامر محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم فقال فاعلم والاستيلام اظهرا العبودية والعلم به والتوسل الى الازلية والابدية لذلك خاطبهم فقال كونوا ربانيين وايضا قال كونوا ربانيين جذبهم بهذا من الافتخار بالطين الى الافتخار بالحق قال الجنيد اخرجهم من الكون جملة وجذبهم الى الحق اشارة فاذا اردت ان تعرف مقامات الخلق بواطنهم فى الحقيقة فانظروا الى تصرف اخلاقهم تجد كل واحد قائما فى اشخاصه استقطعه ما وفق سريرته فانظر بما ربطت القلوب فيشهد سرائهم لانهم اخذوا من المصادر الاول فمن لم يستقطعه الا اسبال انواره والحياء فيما بورد عليه ايقن كيفية باطنه على الحقيقة تنازعه فى ربوبيته وتمر عليه فى عبوديته وانت لا تشعر قال بعضه العراقين اخرجهم من أدم ونزاهم منه كى نسبوا العبودية والافتخار بالماء والطين وقال الشبلى اخرجهم عما خاطبهم به من العبودية فمن استحق العلم به استحق علم الربانية والربانى الذى لا ياخذ العلوم الا من الرب ولا يرجع فى بيانه الا الى لارب جل وعلا وقال الواسطى فى هذه الأية كونوا ربانيين لان يكون ابن الازل ولا بد خير لك واحسن بك من ان تكون ابن الماء والطين والافعال والاحصاء والعدد وقال سهل الربانى هو العالم بالله العالم بامر الله والمكاشف له من العلوم اللدنى ما غاب عن غيره وقال ايضا الربانى الذى يختار على ربه حالا وقال الجريى كونوا ربانين اى سامعين منا لله ناطفين بالله وقال فضل بن العباس الشكلى قال كونوا كابى بكر الصديق فانه لما مات محمد صلى الله عليه وسلم اضطرب الاسرار كلها الموتة ولم يوثر ذلك فى سر ابى بكر فقال من كان منكم يعبد محمد افان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حى لا يموت وقال القاسم كونوا ربانيين متخلقين باخلاق الحق علماء وحلماء وقال بعضهم الربانى بحقه من نسى نفسه فى نسيانه فنسى اوقاته باوقاته ونسى أجاله وارزاقه بصافته فصاته جذبته الى ذاته وذات ملكه عن صفاه وقيل الربانى من ارتفع عنه ظل نفسه وعاش فى كون ظله وقيل الربانى الذى هو محق فى وجوده ومحو عن شهوه فالقائم عنع غيره والمحوى لما عليه سواه وقيل الرانى الذى لايوثر فيه تصاريق الاقدام على اختلافها وقيل الربانى الذى تستقره محنة ولا يهزه نعمة فهو على حالة واحدة فى اختلاف الطوارق وقيل الربانى الذى لا يتاثر بورود راد عليه فمن استعطفه رقة قلب واستماله هجوم امراو تفاوت عنده احظار حادث فليس بربانى وقيل الربانى الذى لا يبالى بشئ من الحوادث بقوله وسره وان كان لا يقصر فى شئ من الشرع بفعله وقيل بما كنتم تدرسون من توالى احسانى اليكم وتضاعف نعمتى لديكم وقيل بما كنتم تدرسون من الايئ ونعمائى وما توليت من اموركم.