التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٢
غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
٣
-غافر

عرائس البيان في حقائق القرآن

{حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} الحاء عين جيات الازل والميم مناهل المحبة الخاصة الصفاتية الابدية ومن خصه الله لقربه سقاه من عين حيوته حتى يكون حيا بحيوته لا يجرى عليه بعد ذلك طوارق الفناء لان الحق اذا تجلى من حياته التى هى صفته الازلية لروح قدس يخرجها من ضرر الفناء والموت لانه هو محل الاتصاف بصفته وصفاته ممتنعة من تغائر الحدثان قال تعالى بل احياء عند ربهم ثم سقاه من منهل محبته فيصير سكران شوقه وعشقه والها بجمال وجهه لا يمنعه من ذلك الاكوان بسارها فمن حيث الحيوة يحيى العالم بانفاسه الربانية مثل عيسى عليه السّلام ومن حيث المحبة يطلب بجماله قلوب الخلائق اجمعين حتى يشتاقوا من النظر اليه الى جمال الحق مثل محمد صلى الله عليه وسلم ثم ينطق من جاء الحياة بعبارات الحكمة ومن ميم المحبة من اشارات العلوم المجهولة التى لا يعرفها الا الواردون على مناهل القدم والبقاء ومعنى قوله تنزيل الكتاب اى هذان الحرفان اللذان عما مطينان احمالهما مظنات هذه المعانى المنزلة من عند الله الحى القيوم الملك المهيمن العزيز المتكبر العليم الحكيم الى الحبيب المحب الذى هو وسيلة الحق من الحق الى الحق والسفير منه الى عباده واحبائه ومشتاقيه اى من الله الذى الوهيته عزيزة ممتنعة عن مطالعة الخليقة الغالبة على كل ذرة من العرش الى الثرى عالم ببطون الغيوب ومضمرات القلوب وحركات الارواح وعلل الاشباح يعز العارفين بعزته وبشوق المحبين الى جمال مشاهدته بمحبته الازليّة التى سبقت فى الازل لاهل خالصته انزل هذا التنزيل الى سيد المرسلين وامام العالمين ليبشر بنزوله اهل نزل مواهبه السنية ومعارفه المقدسة وليفرح فواد المهتمين على ما جرى عليهم خطرات الامتحان وهو اجس النفس والشيطان بقوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} يستر ذنوب المذنبين بحيث يرفع عن ابصارهم حتى ينسوها ويقبل عذرهم حين افتقرو اليه بنعت الاعتذار بين يدى به {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} لمن لا يرجع الماب بان عذبه بذل الحجاب {ذِي ٱلطَّوْلِ} لمن افنى نفسه لنفسه وطوله طول كشف جماله فى اوقات الواردات والمواجيد من خصه بالقرب والجمال ثم وصف نفسه التنزيه والتقديس ونفى النداد والاضداد فى ربوبيته وغرفان عباده وتعذيب عصاته بقوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} اليه يرجع كل مشتاق وكل عارف محب عشاق يقبل منهم عذرهم فى تقصيرهم فى العبودية وقلة عرفانهم حقوق الربوبية هو مصدر الكل ومصير الكل مصادر القدم معاونهم لا العدم فان العدم لا شئ فى شئ وهو موجد الاشياء بلا علل ولا حيل ثم من غيرته بعدم الكل حتى لا يبقى فى ساحة الكبرياء اهل الفناء قال تعالى كل شئ هالك الا وجهه قال سهل فى قوله حم الحى الملك وفى قوله تنزيل الكتاب هو الذى انزل عليك الكتاب وهو الله الذى وله به قلوب العارفين والعزيز من درك الخلق العليم بما انشأ وقدَّر غافر الذنب اى ساتره على من يشاء وقابل التواب اى ممن تاب اليه واخلص العمل بالعلم له ذى الطول ذى الغنى من الكل قال بعضهم غافر الذنب كرما وقابل التوب فضلا شديد العقاب عدلا لا اله الا هو فردا واليه المصير تصديق للوعد قال بعضهم غافر لذنب المذنبين وقابل توبة الراجعين شديد العقاب على المخالفين ذى الطول على العارفين قال الاستاذ غافر الذنب لمن اصّروا جرم وقابل التوب لمن اقر وندم شديد العقاب لمن حجد وعند ذى الطول لمن عرف ووحدَّ.