التفاسير

< >
عرض

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
١٥٩
-الأعراف

عرائس البيان في حقائق القرآن

{وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} وصف الله قوما من امة كليمه عليه السلام الذين وصل اليهم ما من الله على موت كشف من انوار لارواحهم وفتح اذان قلوبهم لسماع خطابه هم وجدوا الله بالله واتصفوا بصفاته فاخبر الحق عن اتصافهم بصفاته حيث قال يهدون بالحق والهداية صفته اى يهدون بنور الله عباد الله الى الله لابهم وهم على الحق لا بصورة العميا والغلط والظنون والحظوظ وبه يعدلون اى يعدله وباتصابهم بعدله يعدلون بين الحق للحق لانفسهم يتصفون بالله لله لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يوتيه من يشاء قيل يدلون الخلق على طريق الحق واياه يسكلون ثم وصف الله قوم موسى بانهم على اثنى عشر طريقا من طرق المعارف بقوله {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} وجعل ضرب موسى الحجر مثلا لانفتاح قلوبهم مشارب الالوهية بقوله {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} ضرب يد الاحدية بعضا العناية صفوان الازل فظهر من عيون لاقدم وبحار الاولية لارواح الموحدين وقلوب العارفين وعقول العاشقين واسرار الشائقين وهمم المحبين وافئدة الموقنين وخواطر المكاشفين وصدور المشاهدين وعلوم السالكين ونيات الصادقين ومزار نور الراضين ووجود المريدين اثنا عشر عينا من عيون الصفات الخاصة لعرفان اهل العيان منها عين القدم وهو مشرب ارواح الموحدين ومنها عين البقاء وهى مورد قلوب العارفين ومنها عين الجمال وهى مورد عقول العاشقين ومنها علين تجلى الوجه الذى هو صفته الخاصة وهى مشرب اسرار العاشقين ومنها عين الجلال وهى مشرب همم المحبين ومنها عين القدرة وهى مشرب افئدة الموقنين ومنها عين العلوم وهى مشرب خواطر المكاشفين ومنها عين صفة السمع وهى مشرب صدور المشاهدين ومنها عين صفة البصر وهى مشرب علوم السالكين ومنها عين الكلام الازل وهى مشرب نيات الصادقين ومنها علين الارادة القديمة وهى مشرب من انوار الراضين ومنها عين الحياة القديمة وهى مشرب وجود المريدين اما انفخار عين القدم لارواح المحدين لان القدم اصل الاصل وماهية عين الكل ومنها انفتح انوار التوحيد للموحدين والموحد لم يبلغ الى درجة حقائق التوحيد الا بعد شربه زلال الحقيقة من بحار القدم وذلك الشرب يكون للارواح الطائرة باجنحة القدم فى القدم وتلك الارواح ولا يترج من تلك البحار لانها تعيش بها ابدا ولا ترجع منها الى غيرها من الصفات الا ما شاء الله واما انفتاح عين البقاء لقلوب العارفين لانها مصارف جميع الصفات وهى اصل ثان ومنها تنبت كشوف الصفات وشهود انوار الذات والعارف لا يبلغ الى درجة المعرفة الا بعد ان شرب منها شراب وصال البقاء بنعت السكر والصحو من زاد سكره للبقاء زاد صحوه لان البقاء يوجب التمكين وهم لا يلتفتون من ذلك المقام الى مقام أخر لان قلوبهم استغرقت فى ذلك البحر بحر البقاء باق لها ليس له ساحل وهى لزيادة العطش واما انحباس عين الجمال العقول العاشقين لان الجمال يوجب العشق لللعاشقين ولا يكون العاشق الا بعد رويته جمال الحق سبحانه وتلك العقول هائمة فى ذلك لا تسكن عنها ابدا ولا ترجع الى مقام أخر من استلذاذها حلاوة الجمال واما انفتاح عين تجلى الوجه لاسرار الشائقين لانها سبب سكر العشاق سكرت تلك الاسرار برؤية تلك الانوار وهى هائمة ابدا لا يرجع منها الى غيرها من المقامات والحالات لان الشوق الذ الاحوال ولا يبلغ الشائق الى درجة الشوق الا بعد كشف تجلى الوجه له واما انفتاح عين الجلال لهمم المحبين لان الجلال مشرب تك الهمم بوقعها الى البحرين بحر الهيبة وبحر الاجلال والاجلال يورث لها الخوف والهيبة تورث لها الحياء وهما اخص صفات المحبين وصفة الجلال شاملة لصفة الجمال والجمال يظهر لها فى الجلال لذلك استروحت تلك الهمم فى اوقات عن برجاء الجلال وكل محب لم يبلغ مشاهدة الجلال لم يبلغ الى درجة المحبة بالكمال وتلك الهمة يتصرف بذاتها عن ذلك المقام تارة الى محل الجمال لاقتباس نور الشوق والعشق لان الجلال والجمال مصدرهما عين واحد وان كان تأثيرهما فى التجلى والمباشرة مختلفا واما انتفاح عين القدرة لافئدة الموقنين وهى بكشوفها تزيد انوار الايقان للموقنين ولذلك قال تعالى وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين ومشربها تجرى على سوابق الايات والافعال فى حدود الالتباس ونحلت نفس الصفة صرفا بغير رؤية الأيات اذا كان صرفا فهى توجب العرفان واذا لم تكن صرفا يوجب الايقان وكيف يكون الموقن موقنا ولم يشرب فواده من هذين السقيين وافئدة الموقنين هامت من سركها من شرب سلسبيل عين القدرة ولا يرجع منها الا بعد الاستيقاء منها الى اعلى المقامات من شهود العين ورؤية جميع الصفات فهى على نعت الترقى لان تواثير القدرة فى الاشياء على نعوت التغائر وان كانت عينها مقدسة من علة التلوين واما انتفاح عين العلوم الازلية اللدنية لخواطر المكاشفين وذلك ان عرائس الغيوب بلباس العلوم تنكشف لخواطر الكاشفين وهى تورث لعيونها مشاهدة الصفات والذات وتورث من فوائد وجدان نضارتها وبهجة سناها علوم المعارف الالهية وكل كشف بغير علم لا يكون على حد الكمال والعلم لا تفارق الكشف لان الكشف محل الخطاب والخطاب يوجب العلم لكن ربما تلوح بوادى الكشوف لضعفاء الطريق بالبديهة ولا يفهمون عنها انياء العجيبة الالهية وكل خاطر لم يشرف على هذين المنزلين فهو ناقص عن محل الربانية وتلك الخواطر معادنها علوم الازلية مستلذة دقائق العلوم ممن حيث حلاوة الشكف وحلاوة الخطاب واما انفتاح عين السمع لصدور المشاهدين يوجب لها اسماع الالهية التى تسمع بها اصوات جريان اقلام القضاء والقدر من العرش الى الثرى وبسمع من الحق بسمع الحق ما يقولا لحق قال تعالى { { أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } } وتلك الصدور حاضرة الغيب الغيب لا تحس لهواجس النفوس واصطكاك غيوم ظلام الشياطين ومن لم يبلغ الى وجدان تلك الصفة فى صدوره لم يكن من السامعين اصوات جرس الوصلة واما انفتاح عين البصر لعلوم السالكين وذلك ان انوارها تبين لعلوهم طريائق الغيب واحكام المتشابهات ومغيبات الحكم ومن لم يبلغ الى ذلك المقام ولم يشرب من شربه لم تكن من المتفرسين فى القلوب ولم يكن من المشاهدين فى الغيوب واما انفتاح عين الكلام الازلى لنيات الصادقين وذلك المشرب مخبر مشارب جميع الصافت لانه من كل صفة له مزاج فكل صادق يتكلم الحق معه بكلام القديم يصير بنور مطلقا على جميع الصفات عالما باسمائها ونعوتها مشاهد الذات مع جميع الصفات ويكون نيته معلقة بجريان خطاب الازل مجرى بجريانه حيث تجرى ويدور حيث يدور من ذلك هو محفوظ من خطرات الشك والريب مرقمة بنورا لاخلاص من لم يذق طعم ذلك المشرب ليس بصادق فى المعرفة لانه لم يكن معه مفاتيح كنوز الذات والصفات من الكلام واما انتفاح عين الارادة القديمة لمرار نور الراضين وذلك ان الرضا بالارادة يكون من نور الارادة والارادة مزيل كل ارادة غير ارادة الله فاذا ازلت الارادات عن مرار نور اهل الرضا بقيت ارادة الله فيه فتكسبه سناها حتى تصير ارادة الراضى ارادة الحق فاذا كانت الارادة فرده ولم يبق غيرها اورثت له حسن الرشا وذلك الرضا من رضوان الله فصار متصفين بورثان من معدن الاصل الرضا للراضى محينئذ ارادة بارادة الله ورضا برضى الله قال الله تعالى { { رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } وكل ذلك جرى له فى سباق الحكم والعلم فاباشر حين وقع تجلاه على قلب الراضى بغير علة اكتسابه ولا بتحوله وقوته واما انفتاح عين الحياة الازلية لوجود المريدين وذلك ان المريد ميت عن من عين حياة الازلية تستقيم بها فى رؤية جميع لاصفات لان الحياة اصل جيمع الصفات وجميع الصفات اكنه قائمة بها ومن لم يشرب من ذلك المشرب شربه الحياة لم يقدر ان يسع بهميته فى بحار الملكوت والجبروت لوم ير جواهر الصفات ولالى الحكم والعلم فى بحر البقاء والازل ولهؤلاء الطيار فى هواء الهويب والسيارين على مراكب الجود فى ميادين الاحدية طريان وسيران بقوة الشرب من مشارب الغيب لترفى لمقامت والدرجات الى اعلى معالى دراتهم من القرب والوصال وكل طائفة منهم عرفوا مشاربهم قال الله تعالى فى تام الأية قد علم كل اناس مشربهم لكل واحد منهم اعلام طريقة الى اله من شلب المواجيد وحركات الجذب وظهور الصفة والقاء السمع واستماع الخطاب ويعرف منتهاه ويعلم مقدصه وزيادة طلب من قرب الحق ووصاله حكى عن الرضا عن ابيه عن جفعر بن محمد فى هذه الأية قال انبحبست من المعرفة اثنا عشر عينا كشرب كل اهل مرتبة فى مقام من عين من تلك العيون على قدرها فاولى عين منها عين التوحيد والثانى عين العبودية والسر وربها والثالث عين الاخلاص والرابع عين الصدق والخامس عين التواضع والسادس عين الرضا والتفويض والسابع عين السكينة والوقار والثامن عين السحار والثقة بالله والتاسع عين اليقين والعاشر عين الفعل والحادى عشر عين المحبة والثانى عشر عين الانس والخلوة وهى عين المعرفة بنفسها ومنها ينفجر هذه العيون من شرب من عين منها يجد حلاوتها ويطمع فى العين التى هى ارفع منها من عين الى عين حتى يصل الى الاصل فاذا وصل الى الاصل تحقق بالحق وقال بعضهم فى قوله قد علم كل اناس مشربهم ظهر لكل سالك سلوكه وأثار برهانه وبركات سعيه وانوار حقائقه.