التفاسير

< >
عرض

إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٠
ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٤١
-التوبة

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} من كان مصطفى بتائيد الازل لا يحتاج الى نصرة احد غير الله ومن اعزه الله بعزته جعله ناصرا له وهو مستغنى عن نصرته وناصرة تشرف نصرته او نصرة الخلق قائم بنصرة الحق ومن انقطع الى الله من الخلق اعانه الله على كل همة ويصل الى كل نعمة وصف تعالى نصرته لنبيه عليه السّلام حيزاوى اليه فى دخوله مع صاحبه فى الغار بكشف جماله وابراز نوره منه لصاحبه اى من كان قادرا بنصرة من كان مخفيا وراء نسج العنكبوت على اعدائه بلا مددكم ولا عددكم وايضا هو بنصره ويجعله غالباً على كافة الخلائق مما اعطاهم من راية نصرة الازلية واعلام دولة الرسالة والنبوة قيل نصره الله حيث اغناه عن نصرتكم بقوله والله يعصمك من الناس ومن كان فى ميدان العصمة كان مستغنيا عن نصرة المخلوقين الا تراه لما اشتد الامر كيف قال بك اصول فامك الناصر والمعين ومعنى قوله يانى اثنين اذ هما فى الغار اشارة الى خاصية الصديق بصحبته الحبيب اذ كان مشربة من مشارب بحار نبوته وشواقى النهار رسالته التى جرت من قلزم القدم ولولا تلك الاهلية لما كان فردا فى الصحبة كان الصديق فى منزل ما كان محمد وكان الله ولم يكن معه شئ من شقائق قدسه وبرقه من بروق انوار انسه خرجا من تلك الانوار ودخلا لها من الغار وعرف الحبيب الصديق خصائص العيّة معه حين ورد عليه طوارق الامتحان واخرجته من رؤية الحدثان بقوله {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} اى لا يحزن بتغير الاصطفائية وانكسار حصون العصمة فهو معناه بمعنى القدرة والعلم الازلى وعناية الابدية وظهور مشاهدته من حيث القلب والروح والعقل بوصف المناجاة و المداناة وقال ابن عطا فى قوله ثانى اثنين اذ هما فى الغار قال فى محل القرب فى كهف الانوار فى الازل وقال فى قوله لا تحزن ان الله معنا ليس من حكم من كان الله معه ان تحزن وقال الشبلى ثانى اثنين تشخصه مع صاحبه وواحد الواحد بقلبه مع سيده وقال ابن عطافى قوله ان الله معنا معناه ان الله معنا فى الازل حيث وصل بينا ووصل الصحبة ولم يتفضل قيل فى قوله لا تحزن كان حزن ابى بكر اشفاقاً على النبى صلى الله عليه وسلم وقيل شفقة على الاسلام ان يقع فيه وهن وقال فارس انما هى عن الحزن لان الحزن منة وانما هو تعريفان الحزن لا يحل بمثله لانه فى محل القربة وقيل اخرجهما الغيرة الى الغار عليهما الحق فسترهما عن اعين الخلق لانهم ك انوا فى مشاهدته يشهدهم ويشهدونه الا ترى كيف يقول عليه السّلام لابى بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهم مشاهدا لهما وعونا وناصرا ويقال فى قوله نصرة الله من تلك النصرة ابقاه اياه فيما لقاه به من كشوفاته فى تلك الحالة ولولا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه ويقال صحيح ما قالوا للبقاع دون ما خطر ببال احد ان ذلك الغار يصير مثوى ذلك السيد صلوات الله عليه ولكن يختص بقسميه ما يشاء كما يختص برحمته من يشاء ويقال علقت فلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه وهو تعالى يقول اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا انه سبحانه وان تقدس عن كل مكان ولكن هذا الخطاب حيوة لاسرار بالمواجيد وينشد

يا طالب الله فى العرش الرفيع به لا تطلب العرش ان المجد لغار

ولى نكتة عجيبة فى قوله ثانى اثنين اذ هما فى الغار فى قوله عليه الصلاة والسّلام لصاحبه لا تحزن ان الله معنا هذا نفى الاتحاد بالوحدانية كما نفى عن عيسى وامّه حين زعموا النصارى ان الله ثالث ثلاثة فقال وما من اله الا اله واحد بقى الا يوصيه عن الروح والصديقة كما نفى ههنا ن سيد المرسلين وسيد الصديقين حتى لا يظن ظان ان من العرش لى الثرى لم يكن فى ساحة الكبرياء والازلية اثر لان الالوهية القديمة ممتنعة عن الانقسام والافتراق ولاجتماع وتحقيق ذلك قوله ان الله معنا وتلويح ذلك نفى الاتحاد واظهار الانبساط ودليل الاشارة بقوله لا تحزن اثبت الحزن فى طلب ابى بكر رضى الله عنه وذلك الحزن حزن فوت الحال والوقت فى زمان الباس والابتلاء وعرفه عليه السّلام ان الوقت والحال لا يفوت عنا فهو تعالى معنا بالكشف والوقت والحال بقوله ان الله معنا ثم زاد فى حدث الكشف والوصال حيث حزن صاحبه لاجلها بقوله {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} اشارة ان سكينته نزلت من عند الله عن قلب محمد صلى الله عليه وسلم وتلك زيادة وضوح الكشف والمدانات النبى صلى الله عليه وسلم كان مستقيما فى الاحوال كلها وما حزن لاجل الفوت ولكن انزلت السكينة عليه لاجل زيادة استقامة قلب الصديق وذهاب الحزن عنه ليستضئ نورها من جمال النبى صلى الله عليه وسلم ولو انزلت على الصديق بغير واسطة النبى صلى الله عليه وسلم لذاب تحت اشراق سلطان انوار القدم لان تلك البرحاء فى تلك الاوقات لا يحتملها الا المرسلون من اولى العزم كان قال انزل سكينة ابى بكر على محمد وان كان الهاء راجعا الى الله سبحانه ويحتمل ان السكينة نزلت على ابى بكر فاما النبى صلى الله عليه وسلم فكانت السكينة عليه قبل ذلك قال بعضهم السكينة لابى بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلوات الله عليه من قوله ما ظنك باثنين الله ثالثهما قال بعضهم السكينة سكون القلب الى ما يبدوا من مجارى الاقدار وقال ابن عطا يحتمل ان ابا بكر لم يكن محزونا ولكن النبى صلى الله عليه وسلم بشفقته عليه حذر ما يجوز ان يكون فى ذلك الحال فقال له لا تحزن ان الله معنا قال ابو بكر بن ظاهر وما الرّسول بأخص اسماء وارفعها وقدمه اسما على صفتهما وقال موسى ان معى ربى فدعاه باسم التربية وهو من عموم الاسامى وقدم اسمه على اسم ربه فقال معى ربى فلذلك عصم امة محمد صلى الله عليه وسلم من الشرك وابتلى امة موسى بعبادة العجل وههنا ان موسى كان غيورا فلم ير فى البين احدا من غيره على بسمه فكان النبى صلى الله عليه وسلم خرج من حد الغيرة ههنا لانه كان غنياً بالمشاهدة وكان موسى فى محل الافتقار الى المشاهدة فقال الكليم ان معى ربى وقال الحبيب ان الله معنا فوقع موسى فى رؤية الصفات حيث سما بالرب ووقع النبى صلى الله عليه وسلم فى رؤية الذات بما سماه باسم الجمع وهو قوله ان الله معنا وزاد عليه نعمته بقوله {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} هذه الجنود جنود عساكر تجلى جمال الازل انزلت على اسراره لانها تطبق حملها فان فى الكون لم يكن لتلك الجنود محل قبولها وقال جعفر فى قوله جنود اليقين والثقة بالله والتوكل عليه ويقال كان الرسول عليه السلام ثانى اثنين بظاهر شجه ولكن كان مستهلك الشاهد فى الواحد بره ثم وصف منته سبحانه على الكل باذهابه ظلمة الطبائع واخراجه انوار الشرائع بقوله {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} جعل الدعاوى الباطلة فانية تحت انوار التوحيد والحقيقة كلمة انفراده بفردانيته وعلوه بنعت التنزيه والتقديس عن ظنون خلقه بانه عزيز بعد الكبرياء وحكيم فى اختصاصه اوليائه بكشف البقاء ثم ان الله سبحانه حث الجميع على التسارع ببذل القلوب والارواح والاشباح والى ميادين الوحدانية والفردانية لرؤية جماله وكشف جلاله وادراك وصاله بقوله {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} اى انفروا الى ابواب الازل خفافا بالعقول القدسية وثقالا بالقلوب الملكوتية وايضاً خفافاً بالألاواح الروحانية وثقالا بالقلوب السماويّة وايضاً خفافاً بالارادات الصادقة وثقالا بالمحبة والمفرطة وايضاً خفافاً بالايمان وثقالا بالايقان وايضاً خفافاً بالانس وثقالا بالقدس وايضاً خفافاً بانوار المؤدة وثقالا بامانات المعرفة وايضا خفافاً بالتجريد عن الحدثان وثقالاً بانوار التوحيد الى جمال الحمن وايضاً خفافاً بنعوت الافتقار وثقالا بكسوة غنى العزيز الغفار وايضا خفافا بالقناعة وثقالاً بالتوكل وايضاً خفافاً بالبسط وثقالاً بالقبض قال ابن عطا خفافاً بقلوبكم وثقالاً بابدانكم وقال ابو عثمان خفافاً وثقالا فى وقت النشاط والكراهية فان البيعة على هذا وقعت كما روى عن جزير بن عبد الله قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنشط والمكره وقال بعضهم خفافاً الى الطاعات وثقالاً الى لامخالفات وجاهدوا بأموالكم للفقراء ان لا تمنعوهم حقوقهم وجاهدوا بانفسكم الشياطين كيلا تستولى عليكم.