التفاسير

< >
عرض

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٧٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٧٣
يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٧٤
وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ
٧٥
فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ
٧٦
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
٧٧
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
٧٨
-التوبة

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} ان الله سبحانه وعد اعلى شهود الغيب من الموقنين الصادقين فى رؤية الاخرة واللحوق بالله وهذا الوعد منه تعالى وصول نقد لان الخبر منا معاينة حيث يهيب روايح قدسه لاهل الانس وينشقها مع طيبها ارواحهم وقلوبهم لاجل ذلك هاموا فى شوقه وغابوا فى حبه وطاروا من الفرح بوصاله وما قرن هذا الوعد بشرط من شروط العبودية فى نفس الاية يدل عنه فضل بلا علة ووصول الها الى معادنها لان تراب اهل العرفان من معدن الرضوان قال تعالى ان الذى فرض عليك القرآن لرادّك الى معاد اصطفاهم الله فى الازل لحضرته وسماهم المؤمنين اى الصادقين فيما راوا بقلوبهم انوار الغيب والمؤمن اذا كان صادقا فهو صالح وشهيد لانه اتبع ببذل نفسه وروحه بمن استنشق من الغيب من نسيم الوصاف وهو مقبول بحبه بمشاهدة الجمال ولا يبالى الله بما جرى على صورته من الزلات فان المؤمن اذا باشر معصية ندم وعض بتلك المعصية له وصار حرامه منغصا بندامته ويذوب قلبه رجاء ربه وكأن معصيته طاعة وعدهم بالجنات وقلوبهم فى جنات المشاهدة فكيف يلتفتون الى الجنة ووعدهم بالمساكن الطيبة وهم ساكنون بارواحهم فى مشاهدة جماله وقربه ووصاله ويجرى عليهم واردات لذة خطابه ولذايذ لطائف مما طابت نفوسهم فى مساكن طاعاته باسترواحهم بنسيم مروحة رجاء وصاله وطابت عقولهم بدورانها فى انوار اياته وطابت قلوبهم بشهودها على مشارب صفاته فتشرب منها شربات المحبة وتشكر برويتها بنعت === وطابت ارواحهم بطيرانها فى سبحات ذاته بأجنحة رضوانه فهى تعلق ابدا الى مساكن كشف قدمه وجلال سرمدية رضوانه الاكبر بتسم صبح الصفات فى وجوه الهائمين فى محبة مشاهدة الذات يا اخى هؤلاء فى الدّنيا فى طيب مساكن الوصلة وجنات عدن القربة وما داموا ههنا فى هذه الغربة وجدوا ما يعاين لاهل الوعد فلا ينابون بالغرفان قلب جميع المساكن لا يكون الا برؤيته وجماله ومن ادرك ذلك كيف يلتفت الى حسن النظر وطيب المسكن وان كان فى موضع وحش وانشد

تمنيت من حبى يثينه اثناً على مدمت فى البحر ليس لنا وقر
وفي كل موضع لم يكن مما وصفنا به اثر فهو خراب مستوحش وان كان الجنة
اجيراننا ما اوحش الدار بعدكم اذا عتتم عنها ونحن محضور
ويقال قوم يطيب مسكنه لوجود عطائه وقوم يطيب مسكنه بشهود لقائه
وانى لاهوى الدار لا يشعرنى بها الرد الا انها من دياركا

وقال الاستاد اماراة هذا الرضوان وجدان طعمه فقدان فهو فى روح الانس وروح الانس لا === عن راحة دار القدس بل هو اتم واعظم ثم حث نبيه عليه السّلام بجهاد من خاله يخالف حال هؤلاء حتى تطهر وجه الارض من الغيار وذلك من غيرة الجبار على اهل تلك الدار بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} الكفار النفوس الامارة وجهادها اماتة شهواتها والمنافقين هم ابليس وجنوده وجهادهم تصايقهم طريق الوسواس بالجوع الدائم والحزن القائم والزجر الغليظ عليهم يكون من القلب الروحانى المملو من نور الربانى وفيه رخصة زجر المدعين فيجوز الصادق ان يزجرهم ويعرض عنهم قال محمد بن على جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وقال سهل النفس كافرة فجاهدها بسيف المخالفة واحملها حمولات الندم وسيرها فى مفاوز الخوف لعلك تردها الى طريق التوبة والانابة ولا يصح التوبة الا لمتحير فى امره مبهوت فى شأنه واله القلب مما جرى عليه قال الله حتى اذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت ثم وصف الله اهل النفاق بنقض العهود وفسخ العقود وشح النفوس بقوله { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} هذا وصف المغرورين الذين ما ذاقوا لهم محبة الله ولو وجدوا لذة منها بقدر راس ابره ليدلوا وجودهم لشوق حمله قال النصرابادى الفضل فى رؤية الاحسان راوا من انفسهم احساناً لم يعملوه بعد وصدقة لم يتصدقوا بها === لانفسهم افعالا بقوله لتصدقن فنقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه فتولد لهم من ذلك البخل الذى قال النبى صلى الله عليه وسلم اى داء ادوى من البخل والتولى من سبيل الرشد والاعراض عن مناهج الحق وذلك انهم اخلفوا وعدهم فى السخاء فلزم عليهم الخيانة والبخل والكذب بقوله {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} ثم ان الله سبحانه وصفهم بتمام الحرمان عن السعادة والسخاوة بقوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} زاد نفاقهم جزاءا لبخلهم قيل هو ميراث البخل وهو الكذب والخلف والخيانت سئل ابو حفص ما البخل قال ترك الايثار عند الحاجة اليهم ثم ان الله سبحانه اعلم انه مطلع على عقودهم الفاسدة وعهودهم الكاذبة فى قلوبهم لمعرفة === المجبولة بالبخل والنفاق بقوله {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} اعلمنا وصف علمه المحيط بالسراير والضمائر وخوفنا من عظيم مراقبته وارتصاده بمراصد الملكوت والجبروت وعرفنا ==== منه واجلال له والخوف من عظمته حيث انه علام على خطرات قلوبنا وحركات اسرار ما ذكر السر والنجوى والستر ما هو يعلم من نفسك ولا تعلم ذلك من نفسك والنجوى ما هو يعلم من نفسك ولا == ذلك من نفسك ايضا ولا تعلم منك احد غير الله النجوى سر واالسر غير النجوى سر السر قيل السر مالا يطلع عليه الا اعلم الاسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظ.