التفاسير

< >
عرض

وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
١١٤
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
١١٦
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
١١٧
-هود

تفسير القرآن

{وأقِمْ الصلاة طرفي النهار} لما كانت الحواس الخمس شواغل تشغل القلب بما يرد عليه من الهيئات الجسمانية، وتجذبه عن الحضرة الرحمانية، وتحجبه عن النور، والحضور بالإعراض عن جناب القدس والتوجه إلى معدن الرجس، وتبدّله الوحشة بالأنس، والكدورة بالصفاء، فرضت خمس صلوات يتفرغ فيها العبد للحضور ويسدّ أبواب الحواس لئلا يردّ على القلب شاغل يشغله ويفتح باب القلب إلى الله تعالى بالتوجه والنية لوصول مدد النور ويجمع همّه عن التفرّق ويستأنس بربّه عن التوحش مع اتحاد الوجهة، وحصول الجمعية، فتكون تلك الصلوات خمسة أبواب مفتوحة للقلب على جناب الربّ يدخل بها عليه النور بإزاء تلك الخمسة المفتوحة إلى جناب الغرور ودار اللعين الغرور التي تدخل بها الظلمة ليذهب النور الوارد آثار ظلماتها ويكسح غبار كُدُوراتها، وهذا معنى قوله: {إنّ الحسنات يذهبن السيئات} وقد ورد في الحديث: "إنّ الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر" . وأمر بإقامتها في طرفي النهار لينسحب حكمها ببقاء الجمعية واستيلاء الهيئة النورية في أوله إلى سائر الأوقات، فعسى أن يكون من: { ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ } [المعارج، الآية: 23] لدوام ذلك الحضور، وبقاء ذلك النور يكسح ويزيل في آخره ما حصل في سائر الأوقات من التفرقة والكدورة. ولما كانت القوى الطبيعية المدبّرة لأمر الغذاء سلطانها في الليل وهي تجذب النفس إلى تدبير البدن بالنوم عن عالمها الروحاني وتحجزها عن شأنها الخاص بها الذي هو مطالعة الغيب ومشاهدة عالم القدس يشغلها باستعمال آلات الغذاء لعمارة الجسد، فتسلبها اللطافة والطراوة وتكدرها بالغشاوة. واحتيج إلى تلطيفها وتصفيتها باليقظة وتنويرها وتطريتها بالصلاة فقال: {وزلفاً من الليل} ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المذكورة وإذهاب السيئات بالحسنات تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع الله في الصفاء والجمعية والأنس والذوق {واصْبِر} بالله في الاستقامة ومع الله في الحضور في الصلاة وعدم الركون إلى الغير {فإنّ الله لا يضيع أجْرَ المُحْسنين} الذين يشاهدونه في حال القيام بحقوق الاستقامة ومراعاة العدالة والقيام بشرائط التعظيم في العبادة.