التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٣
مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٢٤
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٢٥
أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
٢٦
فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
٢٧
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ
٢٨
-هود

تفسير القرآن

{إن الذين آمنوا} الإيمان اليقيني الغيبي {وعملوا} الأعمال التي تصلحهم للقاء الله وتقرّبهم إليه من التوبة والزهد الحقيقي والإنابة والعبادة والصبر والشكر وما يناسبها من أعمال أهل السلوك ومقاماتهم {وأخبتوا إلى ربّهم} وتذللوا واطمأنوا إليه بالشوق وانقطعوا إليه متفانين فيه {أولئك أصحاب} جنة القلوب {هم فيها خالدون}.
{فقال الملأ الذين كفروا من قومه} أي: الإشراق المليئون بأمور الدنيا، القادرون عليها، الذين حجبوا بعقلهم ومعقولهم عن الحق. {ما نراك إلاّ بشراً مثلنا} لكونهم ظاهريين واقفين على حد العقل المشوب بالوهم المتحير بالهوى الذي هو عقل المعاش لا يرون لأحد طوراً وراء ما بلغوا إليه من العقل غير مطلعين على مراتب الاستعدادات والكمالات طوراً بعد طور ورتبة فوق رتبة إلى ما لا يعلمه إلا الله، فلم يشعروا بمقام النبوّة ومعناها {وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا} فقراؤنا الأدنون منّا، إذ المرتبة والرفعة عندهم بالمال والجاه ليس إلا كما قال تعالى:
{ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [الروم، الآية: 7].
{بادي الرأي} أي: بديهة الرأي وأوله لأنهم ضعاف العقول، عاجزون عن كسب المعاش، ونحن أصحاب فكر ونظر قالوا ذلك لاحتجابهم بعقلهم القاصر عن إدراك الحقيقة والفضيلة المعنوية لقصر تصرّفه على كسب المعاش والوقوف على حدة. وأما أتباع نوح عليه السلام فإنهم أصحاب همم بعيدة وعقول حائمة حول القدس غير متصرّفة في المعاش ولا ملتفتة إلى وجوه كسبه وتحصيله، فلذلك استنزلوا عقولهم واستحقروها {وما نرى لكم علينا فضل} وتقدّم فيما نحن بصدده لكون الفضل عندهم محصوراً في التقدّم بالغنى والمال والجاه {بل نظنكم كاذبين} لعدم إدراك ما تثبتون وفهم ما تقولون مع وفور كياستنا {أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي} يجب عليكم من طريق العقل الإذعان له {وآتاني رحمة} أي: هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان {من عنده} أي: فوق طور العقل من العلوم اللدنية ومقام النبوّة {فعميت عليكم} لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة ولا يمكن تلقيها إلا بالإرادة لأهل الاستعداد فكيف نلزمكموها ونجبركم عليها {وأنتم لها كارهون} أي: إن شئتم تلقيها فزكوا نفوسكم وصفوا استعدادكم إن وهب لكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوها إن شاء الله.