التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠٩
حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١١٠
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١١١
-يوسف

تفسير القرآن

{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوْحي إليهم} أي: من كان فيه بقيّة من الرجولية من أهل قرى الصفات والمقامات لا من مصر الذات، فإن البقاء الحاصل لأهل التمكين لا يكون إلا بقدر الفناء. والرجوع إلى الخلق لا يكون إلا على حسب العروج. فالفناء التام والعروج الكامل لا يكون إلا للقطب الذي هو صاحب الاستعداد الكامل الذي لا رتبة إلا قد يبلغها ويلزم أن يكون الرجوع التامّ الشامل لجميع تفاصيل الصفات عند البقاء له وهو الخاتم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "كان بنيان النبوّة تم ورصف وبقي منه موضع لبنة واحدة، فكنت أنا تلك اللبنة" . وإلى هذا المعنى أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق" .
{أفلم يسيروا في الأرض} أرض استعدادهم {فينظروا كيف كان} نهاية أمر {الذين من قبلهم} وغاية كمالهم، فيبلغوا منتهى إقدامهم ويُحَصلوا كمالاتهم بحسب استعداداتهم، فإنّ لكل أحد خاصية واستعداده الخاص يقتضي سعادة خاصة هي عاقبته، ومن الاطلاع على خواص النفوس وغايات إقدامهم في السير يحصل للنفس هيئة اجتماعية من تلك الكمالات هي كمال الأمّة المحمدية على حسب اختلاف استعداداتهم وهي الدار الآخرة التي هي خير للذين اتّقوا صفات نفوسهم التي هي حجب الاستعدادات {أفلا تَعْقِلون} أن هذا المقام خير مما أنتم عليه من الدار الفانية وتمتعاتها، فإنها { لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [العنكبوت، الآية: 64].
{حتى إذا اسْتَيأس الرُسُل} أي: ساروا واتّقوا وتراخى فتحهم ونصرهم في الكشوف على كفرة قوى النفس حتى إذا استيأس الرُسُل الذين هم أشراف القوم من بلوغ الكمال {وظنوا أنهم قد} كذّبتهم ظنونهم في استعدادهم للكمال أو رجائهم {جاءهم نَصرنا} بالتأييد والتوفيق من إمداد أنوار الملكوت والجبروت {فنُجّي من نَشَاء} من أهل العناية من الرُسُل وأتباعهم {ولا يردّ} قهرنا بالحجب والتعذيب {عن القوم المجرمين} بإظهار صفات نفوسهم على قلوبهم فيكسبونها الهيئات الغاسقة الحاجبة المؤذية.
{لقد كان في قصصهم عبرة} أي: ما يعبر بها عن ظاهرها إلى باطنها، كما عبرنا في قصة يوسف عليه السلام لأولي العقول المجرّدة عن قشور الوهميات الخالصة عن غشاوات الحسيّات {ما كان} هذا القرآن {حديثاً يُفْترى} من عند النفس {ولكن تصديق الذي} كان ثابتاً قبله في اللوح {وتفصيل كل شيء} أجمل في عالم القضاء وهداية إلى التوحيد {ورحمة} بالتجليات الصفاتية من وراء أستار آياته {لِقَوم يؤمنون} بالغيب لصفاء الاستعداد.