التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٠
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
٣١
قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ
٣٢
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ
٣٣
-يوسف

تفسير القرآن

ولما بلغ القلب هذا المنزل من الاتصال بالروح والاستشراق من نوره وتنوّرت النفس بشعاع نور القلب وتصفت عن كدوراتها عشقته للاستنارة بنوره، والتشكّل بهيئته، والتقرّب إليه، وإرادة الوصول إلى مقامه لا لجذبه إلى نفسه وقضاء وطرها منه باستخدامها إياه في تحصيل اللذات الطبيعية واستنزالها إياه عن مقامه ومرتبته إلى مرتبتها ليتشكل بهيئتها ويشاركها في أفعالها ولذاتها، كما كانت عند كونها أمّارة فتتأثر قواها حينئذ حتى القوى الطبيعية بتأثرها، وذلك معنى قول نسوة المدينة:
{امْرَأةُ العَزِيز تُرَاوِد فَتاها عن نَفسه قد شَغَفَها حبّاً} وكلما استولى القلب عليها بهيئته النورية وحسنه الذاتي الفطري والصفاتي الكسبيّ من الترقي إلى مجاورة الروح إياه، فشغلت عن أفعالها وتحيرت ووقفت عن تصرفاتها في الغذاء وذهلت عن سكاكين آلاتها التي كانت تدبر بها أمر التلذذ والتغذي والتفكه، وجرحت قدرتها التي تستعمل بها الآلات في تصرفاتها وبقيت مبهوتة في متكآتها التي هي محالها في أعضاء البدن التي هيأتها لها النفس في قراها وهو معنى قوله: {فلما رأيْنه أكْبَرنه وقطعن أيديهنّ وقلن حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم} وقولها: {أخرج عليهن} استجلاؤها لنوره بالإرادة واقتضاؤها طلوعه عليها بحصول استعداد التنوّر لها. ولما انخرطت النفس في سلك إرادة القلب، وقلّت منازعتها إياه في عزيمة السلوك، وتمرّنت لمطاوعته حان وقت الرياضة بالدخول في الخلوة لتجرّد القلب حينئذ عن علائقه وموانعه وتجريده عزمه بانتفاء التردد إذ بتردّد العزم بانجذابه إلى جهة النفس تارة وإلى جهة الروح أخرى لا تمكن الرياضة ولا السلوك ولا تصح الخلوة لفقدان الجمعية التي هي من شرطها وهذه الرياضة ليست رياضة النفس بالتطويع فإنها لا تحتاج إلى الخلوة بل إلى ترك ارتكاب المخالفات والإقدام على كسرها وقهرها بالمقاومات من أنواع الزهد والعبادة إنما هي رياضة القلب بالتنزّه عن صفاته وعلومه وكمالاته وكشوفه في سلوك طريق الفناء وطلب الشهود واللقاء وذلك بعد العصمة من استيلاء النفس عليه كما قالت: {ولقد رَاودْته عن نَفسه فاسْتَعْصم} طلب العصمة من نفسه واستزادها {ولئن لم يفعل ما آمره} من إيفاء حظي ليمنعنّ من اللذات البدنية وروح الهوى والمدركات الحسيّة بالخلوة والانقطاع عنها {وليكونا من الصاغرين} لفقدان كرامته وعزّته عندنا واختذالنا عنه واعتزاله عن رياسة الأعوان والخدم في البدن. ولما حببت إليه الخلوة كما حببت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التحنث في حراء.
{قال ربّ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه} وإنما قال: {مما يدعونني إليه}، ودعا ربّه أن يصرف عنه كيدهنّ بقوله: {وإلا تَصْرف عني كيدهنّ أصب إليهنّ وأكن من الجاهلين} لأنّ في طباعها الميل إلى الجهة السفلية وجذب القلب إليها وداعية استنزاله إليها بحيث لا يزول أبداً، وتنوّرها بنوره وطاعتها له أمر عارضي لا يدوم والقلب يمدّها في أعمالها دائماً فإنه ذو طبيعتين وذو وجهين ينزع بإحداهما إلى الروح وبالأخرى إلى النفس، ويقبل بوجه إلى هذه وبوجه إلى هذه، فلا شيء أقرب إليه من الصبوة إليها بجهالته لو لم يعصمه الله بتغليب الجهة العليا وإمداده بأنوار الملأ الأعلى كما قال النبي عليه السلام:
"اللهمّ ثبّت قلبي على دينك، قيل له: أو تقول ذلك وأنت نبيّ يوحى إليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: وما يؤمنني إنّ مثل القلب كمثل ريشة في فلاة تقلبها الرياح كيف شاءت" . وذلك الدعاء هو صورة افتقار القلب الواجب عليه أبداً.