التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً
٥٦
وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً
٥٧
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً
٥٨
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً
٥٩
إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً
٦٠
-مريم

تفسير القرآن

{ورفعناه مكاناً عليّاً} إن كان بمعنى المكانة فهو قربه من الله ورتبته في مقام الولاية من عين الجمع، وإن كان بمعنى المكان فهو الفلك الرابع الذي هو مقرّ عيسى عليه السلام لما ذكر من كونه مركز روحه في الأصل والمبدأ الأول لفيضانه إذا فاض عن محرك فلك الشمس ومعشوقه {إذا تُتْلى عليهم آيات الرحمن} سمعوا بالنفس من كل آية ظاهرها، وبالقلب باطنها، وفهموا بالسرّ حدّها، وصعدوا بالروح مطلعها، فشاهدوا المتكلم موصوفاً بالصفة التي تجلى بها في الآية فـ{خرّوا سُجداً} فنوا في ذلك الاسم الذي تجلى به عند ظهوره بتلك الصفة الكاشفة عنها تلك الآية، وبكوا اشتياقاً إلى مشاهدته بسائر الصفات المشتمل عليه الرحمن أو الله وهو بكاء القلب إن لم يكن مستلزماً لبقاء النفس من خوف البعد، كما قال الشاعر:

ويبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق

أضاعوا صلاة الحضور لكونهم في مقام النفس، والحضور إنما يكون بالقلب، ولا صلاة إلا به. ولذلك الاحتجاب بصفات النفس عن مقام القلب لزم اتباع الشهوات {فسوف يلقون غيّاً} شرّاً وضلالاً إذ كلما أمعنوا في اتباعها ازداد حجابهم فازداد ضلالهم وارتكبت الذنوب على الذنوب، فازداد تورّطهم فيها، كما قال عليه الصلاة والسلام: "الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول" .
{إلاّ من تاب} عن الذنب الأول فرجع إلى مقام القلب {وآمن} باليقين {وعَمِل صالحاً} باكتساب الفضيلة {فأولئك يدخلون الجنة} المطلقة بحسب استحقاقهم ودرجتهم في الإيمان والعمل {ولا يظلمون} أي: لا ينقصون مما اقتضاه حالهم ومقامهم {شيئاً}.