التفاسير

< >
عرض

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ
١٧
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
١٨
-البقرة

تفسير القرآن

{مَثَلُهُم} أي: صفتهم في النفاق كصفة المستوقد للإضاءة الذي إذا أضاءت ما حوله من الأشياء القريبة منه خمدت ناره وبقي متحيّراً، لأن نور استعدادهم بمنزلة النار الموقدة، وإضاءتها لما حولهم هي اهتداؤهم إلى مصالح معاشهم القريبة منهم دون مصالح المعاد البعيدة بالنسبة إليهم وصحبة المؤمنين وموافقتهم في الظاهر وخمودها سريعاً انطفاء نورهم الاستعداديّ وسرعة زوال ما تمتّعوا به من دنياهم ووشك انقضائه. {ذهب الله بنُورِهم} الاستعداديّ بإمدادهم في الطغيان، وخلاهم محجوبين عن التوفيق في ظلمات صفات النفس {لا يبصرون} ببصر القلب، ووجه المخرج ولا ما ينفعهم من المعارف كمن تنطفئ ناره وهو في تيه بين أشغال وأسباب.
{صمٌّ بكمٌ عُميٌ} بالحقيقة لاحتجاب قلوبهم عن نور العقل الذي به تسمع الحق وتنطق به، وتراه في الظاهر لعدم فوائدها، لانسداد الطرق من تلك المشاعر إلى القلب لمكان الحجاب، فلم يصل إليها نور القلب ليحتفظوا بفوائدها ولم ترد مدركاتها على القلب ليفهموا ويعتبروا. {فهم لا يرجعون} إلى الله لوجود السّدين المضروبين على قلوبهم المذكورين في قوله:
{ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } [يس، الآية: 9]. وفائدة التشبيه تصوير المعقول بصورة المحسوس، ليتمثل في نفوس العامة. ثم شبههم ثانياً بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فالمطر هو نزول الوحي الإلهي ووصول إمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين، وبقية استعدادهم مما يفيد قلوبهم أدنى لين، وحصول النِعَم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر.