التفاسير

< >
عرض

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ
١٧
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ
١٨
قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ
١٩
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ
٢٠
قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ
٢١
-طه

تفسير القرآن

{وما تلك بيمينك يا موسى} إشارة إلى نفسه، أي: التي هي في يد عقله إذ العقل يمين يأخذ به الإنسان العطاء من الله ويضبط به نفسه.
{قال هي عصاي أتوكأ عليها} أي: أعتمد في عالم الشهادة وكسب الكمال والسير إلى الله والتخلق بأخلاقه عليها، أي: لا يمكن هذه الأمور إلا بها {وأهشّ بها على غنمي} أي: أخبط أوراق العلوم النافعة والحِكَم العملية من شجرة الروح بحركة الفكر بها على غنم القوى الحيوانية {ولي فيها مآرب أخرى} من كسب المقامات وطلب الأحوال والمواهب والتجليّات. وإنما سأله تعالى لإزالة الهيبة الحاصلة له بتجلي العظمة عنه وتبديلها بالأمن، وإنما زاد الجواب على السؤال لشدّة شغفه بالمكالمة واستدامة ذوق الاستئناس.
{قال أَلقِها يا موسى} أي: خلها عن ضبط العقل {فألقاها} أي: خلاها وشأنها مرسلة بعد احتظائها من أنوار تجليات صفات القهر الإلهي {فإذا هي حيّة تسعى} أي: ثعبان يتحرّك من شدّة الغضب، وكانت نفسه عليه السلام قوية الغضب، شديدة الحدّة، فلما بلغ مقام تجليات الصفات كان من ضرورة الاستعداد حظه من التجلي القهري أوفر كما ذكر في (الكهف)، فبدل غضبه عند فنائه في الصفات بالغضب الإلهي والقهر الرباني فصور ثعباناً يتلقف ما يجد.
{قال خذها} أي: اضبطها بعقلك كما كانت {ولا تخف} من استيلائها عليك وظهورها فيكون ذنب حالك بالتلوين، فإن غضبك قد فنى، فيكون متحرّكاً بأمري وليس هو مستوراً بنور القلب في مقام النفس حتى يظهر بعد خفائه {سنعيدها سيرتها الأولى} أي: ميتة، فانية، صائرة إلى رتبة القوّة النباتية التي لا شعور لها ولا داعية، ولإماتته عليه السلام إياها في تربية شعيب صلوات الله عليه وجعله إياها كالقوى النباتية سميت عصاً، ولهذا قيل: وهبها له شعيب عليه السلام.