التفاسير

< >
عرض

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ
٢٧
لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ
٢٨
ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٢٩
ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ
٣٠
-الحج

تفسير القرآن

{وَأذّن في الناس} بالدعوة إلى مقام القلب وزيارته {يأتوك رجالا} مجرّدين عن صفات النفوس {وعلى كل} نفس ضامرة بطول الرياضة والمجاهدة {يأتين من كل} طريق بعيد العمق في قعر الطبيعة {ليشهدوا منافع لهم} من الفوائد العلمية والعملية المستفادة من مقام القلب {ويذكروا اسم الله} بالاتّصاف بصفاته {في أيام معلومات} من أنوار التجليات والمكاشفات {على ما رزقهم من بهيمة} أنعام النفوس المذبوحة تقرّباً إلى الله تعالى بحراب المخالفات وسكاكين المجاهدات {فكلوا} استفيدوا من لحوم أخلاقها وملكاتها المعينة المقوّية في السلوك {وأطعموا} أي: أفيدوا {البائس} الطالب القوي النفس، الذي أصابه شدّة من غلبة صفاتها واستيلاء هيئاتها للتهذيب والتأديب، والفقير الضعيف النفس، القديم العلم، الذي أضعفه عدم التعليم والتربية المحتاج إليها.
{ثم ليقضوا} وسخ الفضول وفضلات ألواث الهيئات كقصّ شارب الحرص، وقَلم أظفار الغضب والحقد. وفي الجملة: بقايا تلوينات النفس {وليوفوا نذورهم} بالقيام بإبراز ما قبلوه في العهد الأول من المعاني والكمالات المودعة فيهم إلى الفعل، فقضاء التفث التزكية وإزالة الموانع والإيفاء بالنذور والتحلية وتحصيل المعارف {وليطوّفوا} بالانخراط في سلك الملكوت الأعلى حول عرش الله المجيد البيت القديم.
{ذلك} أي: الأمر ذلك {ومن يعظم حرمات الله} وهي مالا يحل هتكه وتطهيره والقربان بالنفس وجميع ما ذكر من المناسك كالتحلي بالفضائل، واجتناب الرذائل، والتعرّض للأنوار في التجليّات، والاتصاف بالصفات، والترقي في المقامات {فهو خير له} في حضرة ربّه ومقعد قربه {وأحلّت لكم} أنعام النفوس السليمة بالانتفاع بأخلاقها وأعمالها في الطريقة والتمتع بالحقوق دون الحظوظ {إلا ما يُتْلى عليكم} في صورة المائدة من الرذائل المشتبهة بالفضائل وهي التي صدرت من النفس لا على وجهها ولا على ما ينبغي من أمرها بالرذائل المحضة، فإنها محرّمة في سبيل الله على السالكين {فاجتنبوا الرجس من} أوثان الشهوات المتعبدة؛ والأهواء المتبعة، كقوله تعالى:
{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية، الآية: 23]. {واجتنبوا قول الزور} من العلوم المزخرفة والشبهات المموهة من التخيلات والموهومات، المستعملة في الجدل والخلاف والمغالطة.