التفاسير

< >
عرض

وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢٠
فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٢١
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
٢٢
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
٢٣
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
٢٤
فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٢٥
-القصص

تفسير القرآن

{وجاء رجل من أقصى المدينة} هو الحبّ الباعث على السلوك في الله الذي يسمونه الإرادة، وإتيانه من أقصى المدينة: انبعاثه من مكمن الاستعداد عند قتل هوى النفس {يسعى} إذ لا حركة أسرع من حركته يحذره عن استيلائهم عليه وينبهه على تشاورهم وتظاهرهم عند ظهور سلطان الوهم عليه ومقابلته ومماراته ومجادلته له على هلاكه بالإضلال {فاخرج} عن مدينتهم حدود سلطنتهم إلى مقام الروح {إني لك من الناصحين} {فخرج} بالأخذ في المجاهدة في الله ودوام الحضور والمراقبة {خائفاً} من غلبتهم، متلجئاً إلى الله في طلب النجاة من ظلمهم.
{ولما توجه تلقاء مدين} مقام الروح، غلب رجاؤه على الخوف لقوّة الإرادة وطلب الهداية الحقانية بالأنوار الروحية و التجليات الصفاتية إلى سواء سبيل التوحيد وطريقة السير في الله.
{ولما ورد ماء مدين} أي: مورد علم المكاشفة ومنهل علم السرّ والمكالمة {وجد عليه أمّة من الناس} من الأولياء والسالكين في الله والمتوسطين الذين مشربهم من منهل المكاشفة {يسقون} قواهم ومريديهم منه، أو العقول المقدّسة والأرواح المجرّدة من أهل الجبروت فإنها في الحقيقة أهل ذلك المنهل، يسقون منه أغنام النفوس السماوية والإنسية وملكوت السموات والأرض {ووجد من دونهم} من مرتبة أسفل من مرتبتهم {امرأتين} هما العاقلتان النظرية والعملية {تذودان} أغنام القوى عنه لكون مشربها من العلوم العقلية والحكمة العملية قبل وصول موسى القلب إلى المناهل الكشفية والموارد الذوقية ولا نصيب لها من علوم المكاشفة {لا نسقي حت يصدر الرعاء} أي: شربنا من فضلة رعاء الأرواح والعقول المقدّسة عند صدورها عن المنهل متوجهة إلينا، مفيضة علينا فضلة الماء {وأبونا} الروح {شيخ كبير} أكبر من أن يقوم بالسقي {فسقى لهما} من مشرب ذوقه ومنهل كشفه بالإفاضة على جميع القوى من فيضه، لأن القلب إذا ورد منهلاً ارتوى من فيضه في تلك الحالة جميع القوى وتنوّرت بنوره {ثم تولى} من مقامه {إلى الظل} أي: ظل النفس في مقام الصدر مستحقراً لعلمه المعقول بالنسبة إلى العلوم الكشفية مستمدّاً من فضل الحق ومقامه القدسي والعلم اللدني الكشفي.
{فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} أي: محتاج سائل لما أنزلت إليّ من الخير العظيم الذي هو العلم الكشفي وهو مقام الوجد والشوق، أي: الحال السريع الزوال وطلبه حتى يصير ملكاً.
{فجاءته إحداهما} هي النظرية المتنوّرة بنور القدس التي تسمى حينئذ القوّة القدسية {تمشي على استحياء} لتأثرها منه وانفعالها بنوره {إنّ أبي يدعوك} أشار به إلى الجذبة الروحية بنور القوّة القدسية واللمة الملكية {ليجزيك أجر ما سقيت لنا} أي: ثواب ارتواء القوى الشاغلة الحاجبة من استفاضتك وتنوّرها بنورك فإنها إذا انفعلت بالبارق القدسي، وارتوت بالفيض السريّ، سهل الترقي إلى جناب القدس وقوي استعداد القلب للاتصال بالروح لزوال الحجب أو زوال ظلمتها وكثافتها.
{فلما جاءه} واتصل به وترقى في مقامه، وأطلع الروح على حاله {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} وهو صورة حاله.