التفاسير

< >
عرض

فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ
١٧
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
١٨
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
١٩
-سبأ

تفسير القرآن

{فأعرضوا} عن القيام بالشكر والتوسل بها إلى الله بل عن الأكل من ثمراتها التي هي العلوم النافعة والحقيقية بالانهماك في اللذات والشهوات والانغماس في ظلمات الطبائع والهيئات. {فأرسلنا عليهم سيل} الطبيعة الهيولانية بنقب جرذان سيول الطبائع العنصرية سكر المزاج الذي سدّته بلقيس النفس التي هي ملكتهم. والعرم الجرذ {وبدّلناهم بجنتيهم جنتين} من شوك الهيئات المؤذية وأصل الصفات السيئة البهيمية والسبعية والشيطانية {ذواتي أكل خمط} أي: ثمرة مرّة بشعة كقوله: { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ } [الصافات، الآية: 65].
{وشيء من سدر} بقاء الصفات الإنسانية {قليل} {ذلك} العقاب {جزيناهم} بكفرانهم النعم {وهل نجازي} بذلك {إلا الكفور} الذي يستعمل نعمة الرحمن في طاعة الشيطان {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} من الحضرة القلبية والسرية والروحية والإلهية بالتجليات الأفعالية والصفاتية والأسمائية الذاتية وأنوار المكاشفات والمشاهدات {قرى ظاهرة} مقامات ومنازل مترائية متواصلة كالصبر والتوكل والرضا وأمثالها {وقدّرنا فيها السير} إلى الله وفي الله مرتباً يرتحل السالك في الترقي من مقام وينزل في مقام {سيروا} في منازل النفوس {ليالي} وفي مقامات القلوب ومواردها {وأياماً آمنين} بين القواطع الشيطانية وغلبات الصفات النفسانية بقوة اليقين والنظر الصحيح على منهاج الشرع المبين.
{فقالوا} بلسان الحال والتوجه إلى الجهة السفلية المبعدة عن الحضرة القدسية والميل إلى المهاوي البدنية والسير في المهامة الطبيعية والمهالك الشيطانية {ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم} بالاحتجاب عن أنوار القرى المباركة لظلمات البرازخ المنحوسة {فجلعناهم أحاديث} وآثاراً سائرة بين الناس في الهلاك والتدمير {ومزّقناهم} بالغرق والتفريق.