التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
١٥٢
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٥٣
-الأنعام

تفسير القرآن

ثم أراد أن يبين أن الرذائل الثلاث مستلزمة باجتماعها رذيلة الجور التي هي أعظمها وجماعها كما أنّ فضائلها تستلزم العدالة التي هي كمالها والشاملة لها فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم} بوجه من الوجوه {إلا بالتي هي أحسن} إلا بالخصلة التي هي أحسن من حفظه وتثميره {حتى يبلغ أشدّه} فينتفع به، لا بالأكل والإنفاق في مآربكم والإتلاف فإنه أفحش. ولما بيّن تحريم أجناس الرذائل الأربع بأسرها على التفصيل أمر بإيجاب الفضائل الأربع بالإجمال، إذ تفصيل الرذائل يغني عن تفصيل مقابلاتها وذلك أنها مندرجة بأسرها في العدالة فأمر بها في جميع الوجوه فعلاً وقولاً وقال: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} أي: حافظوا على العدل فيما بينكم وبين الخلق مطلقاً {وإذا قلتم فاعْدِلوا} أي: لا تقولوا إلا الحق {ولو كان} المقول فيه {ذا قربى} فلا تميلوا في القول له أو عليه إلى زيادة أو نقصان {وبِعَهد الله أوْفُوا} أي: بالتوحيد والطاعة وكل ما بينكم وبين الله من لوازم العهد السابق بالعقد اللاحق. ولما كان سلوك طريقة الفضيلة التي هي طريقة الوحدة والتوجه إلى الحق صعباً، كما قيل: أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف، وخصوصاً في الأفعال إذ مراعاة الوسط فيها بلا ميل ما إلى طرف الإفراط والتفريط في غاية الصعوبة. قال بعد قوله: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها} فبين أنه جمع في هذا المقام بين النهي عن جميع الرذائل والأمر بجميع الفضائل كلها بحيث لا يخرج منها جزئي ما من جزئياتها، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه آيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب. واتفق على قوله أهل الكتابين وجميع المِلل والنِحَل. وقال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إنها لأول شيء في التوراة. {ذلكم} أي: ما ذكر من وجوب الانتهاء عن جميع الرذائل والاتصاف بجميع الفضائل {وصاكم به} في جميع الكتب على ألسنة جميع الرُسُل {لعلكم تذكرون} عند سماعها ما وهب الله لكم من الكمال وأودع استعدادكم في الأزل.
{وأن هذا} أي: طريق الفضائل لأن منبع الفضيلة هي الوحدة. ألا ترى أنها أواسط واعتدالات بين طرفي إفراط وتفريط لا يمكن سلوكها على التعيين بالحقيقة إلا لمن استقام في دين الله إليه وأيده الله بالتوفيق لسلوك طريق الحق حتى وصل إلى الفناء عن صفاته ثم عن ذاته. ثم اتصف في حال البقاء بعد الفناء بصفاته تعالى حتى قام بالله فاستقام فيه وبه فحينئذ يكون صراطه صراط الحق وسيره سير الله {صراطي مستقيماً} أي: طريقي لا يسلكها إلا من قام بي مستوياً غير مائل إلى اليمين والشمال لغرض {فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل} من المذاهب المتفرقة والأديان المختلفة فإنها أوضاع وضعها أهل الاحتجاب بالعادات والأهواء، أي: وضع لهم لئلا يزدادوا ظلمة وعتوّاً وحيرة. وروى ابن مسعود
"عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه خطّ خطّاً فقال: هذا سبيل الرشاد" ، ثم خطّ عن يمينه وشماله خطوطاً فقال: "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم تلا هذه الآية: {فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم} أي: سلوك طريق الوحدة والفضيلة {وصّاكم به لعلكم تتقون} السبل المتفرقة بالاجتناب عن مقتضيات الأهواء ودواعي النفوس وتجعلون الله وقاية لكم في ملازمة الفضائل ومجانبة الرذائل.