التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
٤١
-هود

روح البيان في تفسير القرآن

{وقال} اى نوح لمن معه من المؤمنين بعد ادخال ما امره بحمله فى الفلك من الازواج.
قال الكاشفى [نوح ايشانرا بنزديك كشتى آورد وسربوشى كه ترتيب داده بود بالاى كشتى بوشيد واز زمين آب عذاب جوشيدن كرفت واز آسمان آب بلا فرود آمدن آغار كرد] -وروى- انه حمل معه تابوت آدم وجعله معترضا بين الرجال والنساء {اركبوا فيها} اى فى السفينة وهو متعلق باركبوا وعدى بفى لتضمنه معنى ادخلوا وصيروا فيها راكبين.
قال فى الارشاد الركوب العلو على الشيء المتحرك ويتعدى بنفسه واستعماله هنا بكلمة فى ليس لان المأمور به كونهم فى جوفها لا فوقها كما ظن فان اظهر الروايات انه عليه السلام جعل الوحوش والسباع والهوام فى البطن الاسفل من الطبقات الثلاث للسفينة والانعام والدواب فى الاوسط وركب هو ومن معه ما يحتاجون اليه من الزاد فى الاعلى بل رعاية لجانب المحلية والمكانية فى الفلك والسر فيه ان معنى الركوب العلو على شيء له حركة اما ارادية كالحيوان او قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فاذا استعمل فى الاول يوفر له حظ الاصل فيقال ركبت الفرس وان استعمل فى الثانى يلوح لمحلية المفعول بكلمة فى فيقال ركبت فى السفينة قيل انهم ركبوا السفينة يوم العاشر من رجب وكان يوم الجمعة فاتت السفينة البيت فطافت اسبوعا فسارت بهم مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودى شهرا وكان خروجهم من السفينة يوم عاشوراء من محرم {بسم الله} متعلق باركبوا حال من فاعله اى اركبوا مسمين باسم الله او قائلين بسم الله. قال سعدى المفتى كان اصل التقدير ملتبسين او متبركين باسم الله وهو تأويل مسمين الله وقائلين بسم الله وعلى التقديرين فهو حال مقدرة لان وقت الجرى والارساء بعد الركوب {مجريها} بفتح الميم من جرى وبكسر الراء على الامالة نصب على الظرفية اى وقت جريها {ومرسيها} اى وقت ارسائها وحبسها وثبوتها
وقال فى الكواشى بسم الله مجراها خبر ومبتدأ ومرساها عطف عليه اى بسم الله اجراؤها وارساؤها فكان عليه السلام اذا اراد ان تجرى قال بسم الله فجرت وان اراد ان ترسو قال بسم الله فرست ومجراها ضما وفتحا مصدر اجريته وجريت به لغتان بمعنى كاذبته وذهبت به ومرساها بضم الميم من ارست السفينة ترسى وقفت انتهى
{ان ربى لغفور} للذنوب والخطايا {رحيم} لعباده ولهذا نجاكم من هذه الداهية ولولا ذلك لما فعله
وفيه دلالة على ان نجاتهم ليست بسبب استحقاقهم لها بل بمحض فضل الله وغفرانه ورحمت على ما عليه رأى اهل السنة -حكى- ان عجوزا مرت على نوح وهو يصنع السفينة وكانت مؤمنة به فسألته عما يصنعه فقال ان الله تعالى سيهلك الكفار بالطوفان ويجيء المؤمنين بهذه السفينة فاوصت ان يخبرها نوح اذا جاء وقتها لتركب فى السفينة من المؤمنين فلما جاء ذلك الوقت اشتغل نوح بحمل الخلق فيها ونسى وصية العجوز وكانت بعيدة منه ثم لما وقع ما وقع من اهلاك الكفار ونجاة المؤمنين وخرجوا من السفينة جاءت اليه تلك العجوز فقالت يا نوح انك قلت لى سيقع الطوفان ألم يأن ان يقع قال قد وقع وكان امر الله مفعولا وتعجب من امر العجوز فان الله تعالى قد انجاها فى بيتها من غير ركوب السفينة ولم تر الطوفان قط وهكذا حماية الله تعالى لعباده المؤمنين
وقد صح عن بعض اهل الكشف ان موضع الجامع الكبير فى بلدة بروسه كان بيتا للعجوز المذكورة كما فى الواقعات المحمودية: وفى المثنوى

كاملان از دور نامت بشنوند تابقعر باد وبودت درروند
بلكه بيش از زادن توسالها ديده باشندت ترا باحالها
هركسى اندازه روشن دلى غيب را بيند بقدر صيقلى

والاشارة الى ان السفينة الشريعة معمولة للنجاة لراكبيها من طوفان فتن النفس والدنيا والامر بالركوب فى قوله تعالى {اركبوا فيها} يشير الى كشف سر من اسرار الشريعة وهو ان من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والاستاذين لم ينفعه للنجاة الحقيقية كما ركب المنافقون بالطبع لا بالامر فلم ينفعهم وكما ركب ابليس فى سفينة نوح فلم ينفعه وانما النجاة لمن ركب فيها بالامر وحفظا لادب المقام قال {بسم الله مجريها ومرسيها} اى يكون مجريها من الله ومرساها الى الله كقوله { ان الى ربك المنتهى } {ان ربى لغفور} بالنجاة لمن ركبها {رحيم} لمن ركبها بالامر لا بالطبع كذا فى التأويلات النجمية