التفاسير

< >
عرض

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ
٣
-يوسف

روح البيان في تفسير القرآن

{نحن نقص عليك} نخبرك ونحدثك. وبالفارسة [ماميخوانيم برتو] من قصى اثره اذا اتبعه لان من يقص الحديث ويرويه يتبع ما حفظ منه شيأ فشيأ كم يقال تلا القرآن اذا قرأه لان من يتلو يتبع ما حفظ منه آية بعد آية {احسن القصص} مفعول به لنقص على ان يكون القصص مصدرا بمعنى المقصوص اى نبين لك احسن ما يقص من الانباء والاحاديث وهو قصة آل يعقوب والظاهر انه احسن ما يقص فى بابه كقولك فلان اعلم الناس وافضلهم تريد فى فنه كما فى بحر العلوم اى فلا يلزم ان يكون احسن من قصة سيد الكونين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين ويمكن ان يقال قد يراد بافعل الزيادة من وجه كما فى قوله تعالى { اكبر من اختها } كما فى حواشى سعدى المفتى قال محيى السنة سمى الله قصة يوسف احسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التى تصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك ومكر النساء والصبر على اذى الاعداء والتجاوز عنهم بعد الاقتدار وغير ذلك من الفوائد
وقال بعضهم لان يوسف عليه السلام كان احسن ابناء بنى اسرائيل ونسبه احسن الانساب كما قال صلى الله عليه وسلم
"ان الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم" والكرم اسم جامع لكل ما يحمد به واجتمع فى يوسف مع كونه ابن ثلاثة انبياء متراسلين شرف النبوة وحسن الصورة وعلم الرؤيا ورياسة الدنيا وحياطة الرعايا فى القحط والبلايا فاى رجل اكرم من هذا
وقال بعضهم لان دعاءه كان احسن الادعية توفنى مسلما والحقنى بالصالحين وهو اول من تمنى لقاء الله تعالى بالموت

غافلان ازموت مهلت خواستند عاشقان كفتند نى نى زود باش

وتزويجه احسن التزويج وفى قصة تزويجه صفة فرقة ووصلة وصلة وغربة وتلطيف وتعنيف وعشق وعاشق ومعشوق وحبس وخلاص وقيد وعبودية وعتق وتعارف وتناكر واقبال وفرار ونفحة وجذبة واشارة وبشارة وتعبير وتفسير وتعسير وتيسير واودع فى قصته ما لم يودع فى غيرها من اللطائف وانواع المعاملات مما يروح الارواح ويهيج الاشباح.
يقول الفقير لا يبعد ان يقال ان قصة يوسف احسن الاقاصيص السالفة فى سورة هود فى باب تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى نفسها ايضا اذ ما يتعلق بالمحبوب محبوب وما ينبئ عن الاحسن احسن كما قال المولى الجامى

بس دلكش است قصة خوبان وزان ميان تو يوسفى وقصة احسن القصص

وسيجيئ ذكر الملاحقة المتعلقة بجناب يوسف وحضرة الرسالة عليهما السلام.
وقال بعضهم هى اول قصة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى اوجز لفظا واجمع معنى مترجمة فى الحقيقة عن اسرار الوراثة والخلافة والروح والقلب والقوى وتصفية النفس الامارة التى ظهرت اولا فى صورة زليخا ثم اسلمت وتزكت وصفت الى ان وصلت الى مقام الرضى والامتنان بعد همها باماريتها ثم اجتمعت بالروح اليوسفى بعد انقياد قواها فى صورة الاخوة.
قال فى التأويلات النجمية انما كانت احسن القصص لان اول مناسبة ومشابهة باحوال الانسان ورجوعه الى الله ووصوله اليه وذلك لانها تشير الى معرفة تركيب الانسان من الروح والقلب والسر والنفس وحواسه الخمس الظاهرة وقواء الست الباطنة والبدن وابتلائه بالدنيا وغير ذلك الى ان يبلغ الانسان اعلى مراتبه فاشار يوسف الى القلب ويعقوب الى الروح وراحيل الى النفس واخوة يوسف الى القوى والحواس ثم ان القرآن مع اشتماله على مثل هذه القصة البديعة وغيرها من عجائب البيان طعن فيه الكفار لكونهم من غير اولى الابصار: وفى المثنوى

جون كتاب الله بيامد هم بران اينجنين طعنه زدند آن كافران
كه اساطير است وافسانه نزند نيست تعميقى وتحقيقى بلند
ذكر يوسف ذكر زلف زبرجمش ذكر يعقوب وزليخاى غمش

ونعم ما قال حضرة الشيخ السعدى قدس سره

كسى بديده انكار نكاه كند نشان صورت يوسف دهدبناخوبى
وكربجشم ارادت نكه كند درديو فرشته اش بنمايد بجشم كروبى

{بما اوحينا} متعلقة بنقص وما مصدرية اى بايحائنا {اليك هذا القرآن وان} مخففة من الثقيلة اى وان الشان {كنت من قبله} اى من قبل ايحائنا اليك هذا القرآن {لمن الغافلين} الغفلة عن الشيء هى ان لا يخطر ذلك بباله اى لمن الغافلين عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط وهو تعليل لكونه موحى والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لا جلال شأنه عليه السلام كما فى الارشاد فليست هى الغفلة المتعارفة بين الناس ولله ان يخاطب حبيبه بما شاء ألا ترى الى قوله { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان } وقوله { ووجدك ضالا } ونحوهما ان مثل هذا التعبير انما هو بالنسبة الى الله تعالى وقد تعارفه العرب من غير ان يخطر ببالهم نقص ويجب علينا حسن الاداء فى مثل هذا المقام رعاية للادب فى التعبير وتقرير الكلام مع ان الزمان واهله قد مضى وانقضت الايام والانام اللهم اجعلنا فيمن هديتهم الى لطائف البيان ووفقتهم لما هو الادب فى كل امر وشان انك انت المنان