التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
٤٩
-يوسف

روح البيان في تفسير القرآن

{ثم يأتى من بعد ذلك} اى من بعد السنين الموصوفة بما ذكر من الشدة واكل الغلال المدخرة {عام فيه} سالى كه درو] {يغاث الناس} من الغيث اى يمطرون فيكون بناؤه من ثلاثى والفه مقلوبة من الياء يقال غاثنا الله من الغيث وبابه باع ويجوز ان يكون من الغوث اى ينقذون من الشدة فيكون بناؤه من رباعى تقول اغاثنا من الغوث فالالف مقلوبة من الواو {وفيه يعصرون} اى ما شانه ان يعصر من العنب والقصب والزيتون والسمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها وتكرير فيه لان الغيث والغوث من فعل الله والعصر من فعل الناس واحكام هذا العام المبارك ليست مستنبطة من رؤيا الملك وانما تلقاه من جهة الوحى فبشرهم بها اول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة. والعجاف واليابسات بسنين مجدبة وابتلاع العجاف للسمان باكل ما جمع فى السنين المخصبة فى السنين المجدبة وبيانه ان البقر فى جنس الحيوانات هو المخصوص بالعجافة وتناول النباتات حلوها ومرها وشرب المياه صافيها وكدرها كما ان السنة هى التى تسع الامور كلها مرغوبها ومكروهها وتأتى بالحوادث حسنها وسيئتها وايضا المعتبر فى امر التنعبير هو عبارة الرآئى وقد عبر الملك عن رؤياه ببقرات وسنبلات فاستشعر يوسف من الاول بالاشتقاق الكبير على ما هو المعول عليه عند الاكابر آت قرب ومن الثانى سنة بلاء ثم ان البلاء مشترك بين الخير والشر والخضر فيه حرفان من الخير مع ظهور ضاد الضوء بها واليابس هو البائس كذا فى شرح القصوص للشيخ مؤيد الدين الجندى قدس سره.
يقول الفقير اصلحه الله القدير وجه تخصيص البقرات والسنابل ان البقر عليه فى الاكل والحنطة معظم معاش الناس فاشارت الرؤيا الى ان الناس يقعون فى ضيق معاش من جهة الحنطة التى هى اول مأكولاتهم ومعظم اغذيتهم ولا ينافيه وجود قحط آخر من سائر الانواع.
والاشارة ان السبع البقرات السمان صفات البشرية السبع التى هى الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغصب والكبر والعجاف صفات الروحانية السبع التى هى اضداد صفات البشرية وهى القناعة والسخاء والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع والملك الروح وهو ملك القالب والملأ الاعضاء والجوارح والحواس والقوى وليس التصرف فى الملكوت ومعرفة شواهده من شأنها والناجى هى النفس الملهمة وهى اذا ارادت ان تعلم شيئا مما يجرى فى الملكوت ترجع بقوة التفكر الى القلب فتستخبر منه فالقلب يخبرها لانه يشاهد الملكوت ويطالع شواهده وهو واقف بلسان القلب وهو ترجمان بين الروحانيات والنفس فيما يفهم من لسان الغيب الروحانى يؤول للنفس ويفهمها تارة بلسان الخيال وتارة بالفكر السليم وتارة بالالهام وقوله
{ تزرعون سبع سنين دأبا } يشير الى تربية صفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة وذلك فى سنى اوان الطفولية قبل البلوغ وظهور العقل وجريان قلم التكليف عليه { فما حصدتم } من من هذه الصفات عند كماله فلا تستعملوه { فذروه } فىاماكنه { الا قليلا } مما تعيشون به وهو بمنزلة الغذاء لمصالح قيام القالب الى ان تبلغوا حد البلاغة ويظهر نور العقل فى مصباح السر عن زجاجة القلب كأنه كوكب درىّ ونور العقل اذا ايد بتأييد انوار تكاليف الشرع بعد البلوغ وشرف بالهام الحق فى اظهار فجور النفس وهو صفات البشرية السبع وتقواها وهو الاجتتاب بالتزكية عن هذه الصفات والتحلية بصفات الروحانية السبع وكان السبع العجاف قد اكلن السبع السمان وانما سمى السبع العجاف لانها من عالم الارواح وهو لطيف وصفات البشرية من عالم الاجساد تنشأ وهو كثيف فسميت السمان ولا يبقى من صفات البشرية عند غلبات صفات الروحانية الا قليلا يحصن به الانسان حياة قالبه وبقاء صورته وبعد غلبات صفات الروحانية واضمحلال صفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية وفيه يتبرا العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب انانيته وكان حصنه وملجأه الحق تعالى كذا فى التأويلات النجمية: قال الكمال الخجندى

جامه بده جان ستان روى مبيج اززيان عاشق بى مايه را عين زيانست سود
سر فنا كوش كن جام بقا نوش كن حاجت تقرير نيست كزعدم آمدوجود

اللهم اجعلنا من اصحاب الفناء والبقاء وارباب اللقاء