التفاسير

< >
عرض

وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٤
-الرعد

روح البيان في تفسير القرآن

{وفى الارض} خبر مقدم لقوله {قطع} جمع قطعة بالفارسية [باره] {متجاورات} اى بقاع متلاصقات بعضها طيبة تنبت شيئا وبعضها سبخة لا تنبت وبعضها قليلة الريع وبعضها صلبة وبعضها كثيرة الريع وبعضها رخوة وبعضها يصلح للزرع دون الشجر وبعضها بالعكس ولولا تخصيص قادر على موقع لافعاله على وجه دون وجه لم يكن كذلك لاشتراك تلك القطع وانتظامها فى جنس الارضية {وجنات} عطف على قطع اى بساتين {من اعناب} جمع عنبة بالفارسية [انكور] وسمت العرب العنب الكرم لكرم ثمرته وكثرة جمله وتذللـه للقطف ليس بذى شوك ولا بشاق المصعد ويؤكل غضا ويابسا واصل الكرم الكثرة والجمع للخير وبه سمى الرجل كرما لكثرة خصال الخير فيه.
واعلم ان قلب المؤمن لما فيه من نور الايمان اولى بهذا الاسم ولذا قال عليه السلام
"لا يقولن احدكم الكرم فانما الكرم قلب المؤمن" قال ابن الملك سبب النهى ان العرب كانوا يسمون العنب وشجرته كرما لان الخمر المتخذة منه تحمل شاربها على الكرم فكره النبى صلى الله عليه وسلم هذه التسمية لئلا يتذكروا به الخمر ويدعوهم حسن الاسم الى شربها وجعل المؤمن وقلبه احق ان يتصف به لطيبه وذكائه والغرض منه تحريض المؤمن على التقوى وكونه اهلا لهذه التسمية {وزرع} بالرفع عطف على جنات وتوحيده لانه مصدر فى اصله {ونخيل} نعت لنخيل جمع صنو وهى النخلة لها رأسان واصلهما واحد اى نخلات يجمعهن اصل واحد. وبالفارسية [جند شاخ ازيك اصل رسته] وفى الحديث "لا تؤذونى فى العباس فانه بقية آبائى وان عم الرجل صنو ابيه" قال فى القاموس ما زاد فى الاصل الواحد كل واحد منهما صنو ويضم ويقال هو عام فى جميع الشجر {وغير صنوان} ومتفرقات مختلفة الاصول وفى الحديث "اكرموا عمتكم النخلة فانها خلقت من فضله طينة آدم وليس من الشجر شجرة اكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر" - وحكى - المسعودى ان آدم عليه السلام لما هبط من الجنة خرج ومعه ثلاثون قضيبا مودعة اصناف الثمر فيها.
منها عشرة لها قشر الجوز واللوز والفستق والبندق والشاه بلوط والصنوبر والرمان والنارنج والموز والخشخاش.
ومنها عشرة لا قشر لها ولثمرها نوى الرطب والزيتون والمشمش والخوخ والاجاص والعناب والغبيراء والدوابق والزعرور والنبق.
ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى التفاح والكمثرى والسفرجل والتين والعنب والاترج والخرنوب والقثاء والخيار والبطيخ وهذا لا ينافى كون هذه الثمرات مخلوقة فى الارض كما لا يخفى {يسقى} المذكور من القطع والجنات والزرع والنخيل {بماء واحد} والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام {ونفضل} بنون العظمة اى ونحن نفضل {بعضها على بعض فى الاكل} فى الثمر شكلا وقدرا وطعما ورائحة فمنها بياض وسواد وصغير وكبير وحلو ومر وحامض وجيد ورديئ وذلك ايضا مما يدل على الصانع الحكيم وقدرته فان انبات الاشجار بالثمار المختلفة الاصناف والاشكال والالوان والطعوم والروائح مع اتحاد الاصول والاسباب لا يكون الا بتخصيص قادر مختار لانه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب لوجب فى القياس ان لا يختلف الالوان والطعوم ولا يقع التفاضل فى الجنس الواحد اذا نبت فى مغرس واحد بماء واحد. والاكل بضم الكاف وسكونها ما يتهيأ للاكل ثمرا كان او غيره كقوله تعالى فى صفة الجنة
{ اكلها دائم } فانه عام فى جميع المطعومات واطلاق الثمر على الحب لا يصح الا باعتبار التغليب فان الثمر حمل الشجر على ما فى القاموس.
قال الكاشفى [درتبيان آورده كه اين مثل بنى آدم در اختلاف الوان واشكال وهيآت واصوات باوجود آنكه بدر همه يكيست. درمدارك كفته كه مثل اختلاف قلوبست در آثار وانوار واسرار وهردلى را صفتى وهر صفت رانتيجة دمى باشد موصوف بانكار واستكبار كه
{ قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } وباز دمى آرميده بذكر حضرت بروردكاركه { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } }

ببين تفاوت كز كجاست تابكجا

قال بعض الكبار العلم الحاصل لاهل الله كالماء فان الماء حياة الاشباح والعلم حياة والارواح واختلاف العلم مع كونه حقيقة واحدة باختلاف الجوارح والاشخاص كاختلاف الماء فى الطعوم باختلاف البقاع مع كونه حقيقة واحدة فمن الماء عذب فرات كعلم الموحد العارف بالله ومنه ملح اجاج كعلم الجاهل المحجوب بالسوى والغير فانه شاب اللطيفة العلمية عند مروره عليها بما يكفيها ويغيرها عن لطفها الطبيعى: قال الحافظ

باك وصافى شو وازجاه طبيعت بدرآى كه صفايى ندهد آب تراب آلوده

وقال المولى الجامى

نكته عرفان مجو از خاطر آلودكان كوهر مقصورا دلهاى باك آمد صدف

{ان فى ذلك} المذكور {لآيات} لدلالات واضحة {لقوم يعقلون} يعملون على قضية عقولهم وان من قدر على خلق الثمار المختلفة والاشكال والالوان والطعوم والروائح من الارض والماء ولا تناسب بين التراب والماء وقدر على احياء الارض بالماء وجعلها قطعا متجاورات وحدائق ذات بهجة قدر على اعادة ما ابدأه بل هذا ادخل فى القدرة من ذلك واهون فى القياس.
والاشارة فى ارض الانسانية قطع من النفس والقلب والروح والسر والخفى متقاربات بقرب الجوار مختلفات فى الحقائق فمنها حيوانية منها ملكوتية ومنها روحانية ومنها جبروتية ومنها عظموتية وبالجنات يشير الى هذه الاعيان المستعدة لقبول الفيض عند قبولها وتثميرها من اعناب وهى ثمرة النفس فمن الصفات ما تدل على الغفلة والحماقة والسهو واللهو فانها اصل السكر وزره وهو ثمرة القلب فان القلب بمثابة الارض الطيبة للزرع من بذر الصفات الروحانية والنفسانية فبأى بذر صفة من الصفات آزدرعت يتجوهر القلب بجوهر تلك الصفة فتارة يصير بظلمات النفس ظلمانيا وتارة يصير بنور الروح نورانيا وتارة يصير بنور الرب ربانيا كما قال
{ اشرقت الارض بنور ربها } {ونخيل} وهو الروح ذو فنون من الاخلاق الحميدة الروحانية كالكرم والجود والسخاء والشجاعة والقناعة والحلم والحياء والتواضع والشفقة {صنوان} وهو السر الجبروتى وبه يكشف اسرار الجبروت التى بين الرب والعبد ولها مثل ومثال ويحكى عنها {وغير صنوان} وهو الخفى المكاشف بحقائق العظموت التى لا مثل لها ولا مثال ولا يحكى عنها كما قال { فاوحى الى عبده ما اوحى } وكما قيل بين المحبين سر ليس يفشيه {يسقى بماء واحد} وهو ماء القدرة والحكمة {ونفضل بعضها على بعض فى الاكل} فى الثمرات والنتائج فى اثناء السلوك {ان فى ذلك لآيات لقوم يعقلون} الذين يلتمسون من القرآن اسرارا وآيات تدلهم على السير الى الله وتهديهم الى الصراط المستقيم اليه كما فى التأويلات النجمية