التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٥٤
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{و} اذكروا يا بنى اسرائيل هذا هو الانعام الخامس {اذ قال موسى} وقت قوله {لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم} اى يا قومى والاضافة للشفقة {انكم ظلمتم انفسكم} اى ضررتم انفسكم بايجاب العقوبة عليها ونقصتم الثواب الواجب بالاقامة على عهد موسى {باتخاذكم العجل} اى معبودا قالوا اي شىء نصنع قال {فتوبوا} اى فاعزموا على التوبة والفاء للسببية لان الظلم سبب للتوبة {الى بارئكم} اى من خلقكم بريئا من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور وهيآت مختلفة والتعرض لعنوان البارئية للارشاد بانهم بلغوا من الجهالة اقصاها ومن الغباوة منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذى خلقهم بلطيف حمته بريئا من التفاوت والتنافر الى عبادة البقر الذى هو مثل فى الغباوة وان من لم يعرف حقوق منعمه حقيق بان تسترد هى منه ولذلك امروا بالقتل وفك التركيب وقالوا كيف نتوب قال {فاقتلوا انفسكم} اى ليقتل البريىء منكم المجرم وانما قال انفسكم لان المؤمنين اخوة واخو الرجل كانه نفسه قال تعالى { ولا تلمزوا انفسكم } [الحجرات: 11] يعنى ذكر قتل الانفس واراد به قتل الاخوان وهذا كما قال ولا تلمزوا انفسكم اى ولا تغتابوا اخوانكم من المسلمين كذا فى التيسير وتفسير ابى الليث * والفاء للتعقيب وتوبتهم هي قتلهم اى فاعزموا على التوبة فاقتلوا انفكسم كذا فى الكشاف.
وقال فى التفسير الكبير وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان ان توبتهم لا تتم ولا تحصل الا بقتل النفس وانما كان كذلك لان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام ان توبة المرتد لا تتم الا بالقتل {ذلكم} اى التوبة والقتل {خير لكم عند بارئكم} انفع لكم عند الله من الامتناع الذى هو اصرار وفيه عذاب لما ان القتل طهرة من الشرك ووصلة الى الحياة الابدية والبهجة السرمدية {فتاب عليكم} خطاب منه تعالى اى ففعلتم ما امرتم به فتاب عليكم بارئكم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم وانما لم يقل فتاب عليهم على ان الضمير للقوم لما ان ذلك نعمة اريد التذكير بها للمخاطبين لا لاسلافهم * فان قلت انه تعالى امر بالقتل والقتل لا يكون نعمة.
قلت ان الله نبههم على عظيم ذنبهم ثم نبههم على ما به يتخلصون من ذلك العظيم وذلك من النعم فى الدين {انه} الله تعالى {هو التواب} اى الذى يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ فى قبولها منهم {الرحيم} كثير الرحمة للمطيعين امره حيث جعل القتل كفارة لذنوبهم: قال السعدى

فروماندكانرا برحمت قريب تضرع كنانرا بدعوت مجيب

روى انهم لما امرهم موسى بالقتل قالوا نصبر لامر الله فجلسوا بالافنية محتبين مذعنين وقيل لهم من حل حبوته اومد طرفه الى قاتله او اتقاه بيد او رجل فهو ملعون مردود توبته واصلت القوم عليهم الحناجر اى حملوا عليهم الخناجر ورفعوا وضربوهم بها وكان الرجل يرى ابنه واباه واخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضى لامر الله قالوا يا موسى كيف نفعل فارسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم الى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنوا اسرائيل البقية البقية فكشف الله السحابة ونزلت التوبة وامرهم ان يكفوا عن القتل فقتل منهم سبعون الفا فكان من قتل شهيدا ومن بقى مغفورة ذنوبه واوحى الى موسى عليه السلام انى ادخل القاتل والمقتول الجنة هذا على رواية ان القاتل من المجرمين على ان معنى قوله فاقتلوا انفسكم ليقتل بعض المجرمين بعضا فالقاتل هو الذى بقى من المجرمين بعد نزول امر الكف عن القتل والا فالقاتل على الرواية الاخرى هو البريىء كما سبق في تفسير الآية.
روى ان الامر بالقتل من الاغلال التى كانت عليهم وهى المواثيق اللازمة لزوم الغل ومن الاصر وهو الاعمال الشاقة كقطع الاعضاء الخاطئة وعدم جواز صلاتهم فى غير المسجد وعدم التطهير بغير الماء وحرمة اكل الصائم بعد النوم ومنع الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع مالهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وكما روى ان بنى اسرائيل اذا قاموا يصلون لبسوا المسوح وغلوا ايديهم الى اعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها الى السارية وحبس نفسه على العبادة فهذه الامور رفعت عن هذه الامة تكريما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
فالتوبة نعمة من الله انعم بها على هذه الامة دون غيرها ولها اربع مراتب.
فالاولى مختصة باسم التوبة وهى اول منزل من منازل السالكين وهى للنفس الامارة وهذه مرتبة عوام المؤمنين وهى ترك المنهيات والقيام بالمأمورات وقضاء الفوائت ورد الحقوق والاستحلال من المظالم والندم على ما جرى والعزم على ان لا يعود.
والمرتبة الثانية الانابة وهى للنفس اللوامة وهذه مرتبة خواص المؤمنين من الاولياء والانابة الى الله بترك الدنيا والزهد فى ملاذها وتهذيب الاخلاق وتطهير النفس بمخالفة هواها والمداومة على جهادها فالنفس اذا تحلت بالانابة دخلت فى مقام القلب واتصفت بصفته لان الانابة من صفات القلب قال تعالى
{ وجاء بقلب منيب } " [ق: 33].
والمرتبة الثالثة الاوبة وهى للنفس الملهمة وهذه مرتبة خواص الاولياء والاوبة الى الله من آثار الشوق الى لقائه فالنفس اذا تحلت بالاوبة دخلت فى مقام الروح ومن امارات الاواب المشتاق ان يستبدل المخالطة بالعزلة ومنادمة الاخدان بالخلوة ويستوحش عن الخلق ويستأنس بالحق ويجاهد نفسه فى الله حق جهاده ساعيا فى قطع تعلقاتها عن الكونين.
والمرتبة الرابعة وهى للنفس المطمئنة وهذه مرتبة الانبياء واخص الاولياء قال تعالى
{ ارجعي الى ربك } [الفجر: 28].
هى صورة جذبة العناية الربوبية نفوس الانبياء والاولياء تجذبها من انانيتها الى هوية ربوبيته راضية اى طائعة تلك النفوس شوقا الى لقاء ربها مرضية اى على طريقة مرضية فى السير لربها باذلة نفسها فى مشاهدة اللقاء طامعة لرفع الاثنينية ودوام الالتقاء.
قيل لما قدم الحلاج لتقطع يده قطعت اليد اليمنى اولا فضحك ثم قطعت اليد اليسرى فضحك ضحكا بليغا فخاف ان يصفر وجهه من نزف الدم فكب وجهه على الدم السائل ولطخ وجهه بدمه وانشأ يقول

الله يعلم ان الروح قد تلفت شوقا اليك ولكنى امنيها
ونظرة منك يا سؤلى ويا املى اشهى الى من الدنيا وما فيها
يا قوم انى غريب فى ديار كمو سلمت روحى اليكم فاحكموا فيها
ما اسلم النفس للاسقام تتلفها الا لعلمى بان الوصل يحييها
نفس المحب على الآلام صابرة لعل مسقمها يوما يداويها

ثم رفع رأسه الى السماء وقال يا مولاى انى غريب فى عبادك وذكرك اغرب منى والغريب يألف الغريب ثم ناداه رجل وقال يا شيخ ما العشق قال ظاهره ما ترى وباطنه دق عن الورى.
وفى التأويلات النجمية ان لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله قوم يعبدون عجل الدراهم والدنانير وقوم يعبدون عجل الشهوات وقوم يعبدون عجل الجاه وقوم يعبدون عجل الهوى وهذا ابغضها على الله فالله تعالى يلهم موسى قلب كل سعيد ليقول يا قوم {انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم} اى ارجعوا الى الله بالخروج عما سواه ولا يمكنكم الا بقتل النفس {فاقتلوا انفسكم} بقمع الهوى لان الهوى هو حياة النفس وبالهوى ادعى فرعون الربوبية وعبد بنوا اسرائيل العجل وبالهوى أبى واستكبر ابليس اوارجعوا بالاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها فاقتلوا انفسكم بنصر الله وعونه فان قتل النفس في الظاهر ييسر للمؤمن والكافر فاما قتل النفس فى الباطن وقهرها فامر صعب لا يتيسر الا لخواص الحق بسيف الصدق وبنصر الحق ولهذا حعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا رجع من غزو يقول
"رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر " .
وذلك لان المجاهد اذا قتل بسيف الكفار يستريح من التعب بمرة واحدة واذا قتل بسيف الصدق فى يوم الف مرة تحيى كل مرة نفس على بصيرة اخرى وتزداد فى مكرها فلا يستريح المجاهد طرفة عين من جهادها ولا يأمن مكرها وبالحقيقة النفس هى صورة مكرالحق ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون {ذلكم خير لكم عند بارئكم} يعنى قتل النفس بسيف الصدق خير لكم لان بكل قتلة رفعة ودرجة لكم عند بارئكم فانتم تتقربون الى الله بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب اليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم كما قال "من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا" وذلك قوله {فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم}: قال فى المثنوى

عمرا كربكذشت بينحش اين دم است آب توبش ده اكر اوبى نم است
بيخ عمرت را بده آب حيات تادرخت عمر كردد باثبات