التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{ثم بعثناكم} اى احييناكم {من بعد موتكم} بتلك الصاعقة وقيد البعث بقوله من بعد موتكم مع انه يكون بعد الموت لما انه قد يكون من الاغماء او من النوم * قال قتادة احياهم ليستوفوا بقية آجالهم وارزاقهم وكان ذلك الموت بلا اجل وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة لغيرهم قبل انقضاء آجالهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا الى يوم القيامة.
فان قلت كيف يجوز ان يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز ان يكلف اهل الآخرة اذا بعثوا بعد الموت قلنا الذى يمنع من تكليفهم فى الآخرة هو الاماتة ثم الاحياء وانما يمنع من ذلك لانه قد اضطرهم يوم القيامة الى معرفته والى معرفة ما فى الجنة من اللذات وما فى النار من الآلام وبعد العلم الضرورى لا تكليف فاذا كان المانع هو هذا لم يمتنع فى هؤلاء الذين اماتهم الله بالصعقة ان لا يكون قد اضطرهم واذا كان كذلك صح ان يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الاحياء بمنزلة النوم او بمنزلة الاغماء {لعلكم تشكرون} نعمة الحياة بالتوحيد والطاعة او لعلكم تشكرون وقت مشاهدتكم بأس الله بالصاعقة نعمة الايمان التى كفرتموها بقولكم لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فان ترك النعمة لاجل طلب الزيادة كفران لها اى لعلكم تشكرون نعمة الايمان فلا تعودون الى اقتراح شىء بعد ظهور المعجزة.
واصل القصة ان موسى عليه السلام لما رجع من الطور الى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لاخيه والسامرى ما قال وأحرق العجل والقاه فى البحر وندم القوم على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين امر الله موسى ان يأتيه فى ناس من بنى اسرائيل يعتذرون اليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين من قومه من خيارهم فلما خرجوا الى الطور قالوا لموسى سل ربنا حتى يسمعنا كلامه فسأل موسى عليه السلام ذلك فاجابه الله ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه وقال للقوم ادخلوا فكلم الله موسى يأمره وينهاه وكلما كلمه الله تعالى اوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع احد من السبعين النظر اليه وسمعوا كلامه تعالى مع موسى افعل لا تفعل فعند ذلك طمعوا فى الرؤية وقالوا ما قالوا فاخذتهم الصاعقة فخروا صعقين ميتين يوما وليلة فلما ماتوا جميعا جعل موسى يبكى ويتضرع رافعا يديه الى السماء يدعو ويقول يا آلهى اخترت من بنى اسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودى بقبول توبتهم وماذا اقول لهم اذا اتيتهم وقد اهلكت خيارهم لو شئت اهلكتهم قبل هذا اليوم مع اصحاب العجل أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى احياهم الله ورد اليهم ارواحهم وطلب توبة بنى اسرائيل من عبادة العجل فقال لا الا ان يقتلوا انفسهم قالوا ان موسى عليه السلام سأل الرؤية فى المرة الاولى فى الطور ولم يمت لان صعقته لم تكن موتا ولكن غشية بدليل قوله تعالى
{ فلما أفاق } [الأَعراف: 143].
وسأل قومه فى المرة الثانية حين خرجوا للاعتذار وماتوا وذلك لان سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء ولم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت فانهم ظنوا انه تعالى يشبه الاجسام وطلبوا رؤيته رؤية الاجسام فى الجهات والاحياز المقابلة للرائى وهى محال وليس فى الآية دليل على نفى الرؤية بل فيها اثباتها وذلك ان موسى عليه السلام لما سأله السبعون لم ينههم عن ذلك وكذلك سأل هو ربه الرؤية فلم ينهه عن ذلك بل قال
{ فإن استقر مكانه فسوف ترانى } [الأعراف: 143] وهذا تعليق بما يتصوره.
قال بعض العلماء الحكماء الحكمة فى ان الله تعالى لا يرى فى الدنيا وجوه.
الاول ان الدنيا دار اعدائه لان الدنيا جنة الكافر.
الثانى لو رآه المؤمن لقال الكافر لو رأيته لعبدته ولو رأوه جميعا لم يكن لاحدهما مزية على الآخر.
الثالث ان المحبة على غيب ليست كالمحبة على عين.
الرابع ان الدنيا محل المعيشة ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معائشهم فتعطلت.
الخامس انه جعلها بالبصيرة دون البصر ليرى الملائكة صفاء قلوب المؤمنين.
السادس ليقدر قدرها اذ كل ممنوع عزيز.
السابع انما منعها رحمة بالعباد لما جبلوا عليه فى هذه الدار من الغيرة اذ لو رآه احد تصدع قلبه من رؤية غيره اياه كما تصدع الجبل غيرة من ان يرآه موسى.
والاشارة فى الآية ان مطالبة الرؤية جهرة هى تعرض مطالبة الذات غفلة فيوجب سوء الادب وترك الحرمة وذلك من امارات البعد والشقاوة فمن سطوات العظمة والعزة اخذتهم الرجفة والصعقة اظهارا لعدل ثم افاض عليهم سجال النعم اسبالا للسر على هيآت العبيد والخدم وقال {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} اظهارا للفضل ومن علامات الوصلة ودلالات السعادة التولى بمكاشفاث العزة مقرونا بملاطفات القربة فمن اصلح حاله لم يطلق لسان الجهل بل اتى البيت من بابه ويتأدب في سؤاله وجوابه: قال فى المثنوى

ييش بينايان كنى ترك ادب نار شهوت را ازان كشتى حطب
جون ندارى فطنت ونور هدا بهر كوران روى را ميزن جلا

ولا بد من قتل النفس الامارة حتى تحكم فى عالم الحقيقة بما شئت.
قال القشيرى التوبة بقتل النفوس غير منسوخة فى هذه الامة الا ان بنى اسرائيل كان لهم قتل انفسهم جهرا وهذه الامة توبتهم بقتل انفسهم فى انفسهم سرا واول قدم هو القصد الى الله والخروج من النفس لله قال ولقد توهم الناس ان توبة بنى اسرائيل كانت اشق وليس كما توهموا فان ذلك كان مرة واحدة واهل الخصوص من هذه الامة قتلهم انفسهم فى كل لحظة كما قيل

ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الاحياء

وفى المثنوى

قوت ازحق خواهم وتوفيق ولاف تابسوزن بر كنم اين كوه قاف
سهل شيرى دانكه صفها بشكند شير آنست آنكه خودرابشكند