التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
٦٨
قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ
٦٩
-الأنبياء

روح البيان في تفسير القرآن

{قالوا حرقوه} اى قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المحاجة وهكذا ديدن المبطل المحجوج اذا قرعت شبهته بالحجة القاطعة وافتضح لا يبقى له مفزع الا المناصبة واتفقت كلمتهم على احراقه لانه اشد العقوبات.
وقال ابن عمر رضى الله عنهما ان الذى اشار باحراقه رجل من اعراب العجم يعنى من الاكراد ولعمرى انهم لفى فسادهم وجفائهم وغلوهم فى تعذيب الناس بعد يقدمون ولا ينفكون عن ذلك ما ترى للاسلام الذى هو دين ابراهيم الخليل عليهم اثرا فى خلق ولا عمل خلقهم نهب اموال المسلمين وعلمهم ظلم وسرقة وقتل وقطع الطريق والله ما هؤلاء باهل الملة الغراء لاكثر الله فى الناس مثل هؤلاء اياك والمصاحبة باصلحهم والمرور ببلادهم {وانصروا آلهتكم} بالانتقام لها {ان كنتم فاعلين} امرا فى اهلاكه يعنى ان الاحراق هو المعتد به فى هذا الباب.
وقصته انه لما اجتمع نمرود وقومه لاحراقه عليه السلام حبسوه فى بيت بنوا له حائطا كالحظيرة ارتفاعه ستون ذراعا وذلك فى جنب جبل كونى وهى بالضم قرية بالعراق ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى ان الرجل المريض كان يوصى بشراء الحطب والقائه فيها وكانت المرأة لو مرضت قال ان عافانى الله لاجمعن حطبا لابراهيم وكانت تنذر فى بعض ما تطلب لئن اصابته لتحتطبن فى نار ابراهيم وتغزل وتشترى الحطب بغزلها فتلقيه فى ذلك البنيان احتسابا فى دينها.
وكانت امرأة عجوز نذرت ان تحمل الحطب الى نار ابراهيم فجعلت حزمة حطب وذهبت بها الى موضع النار فاعترضها ملك فى الطريق وقال اين تذهبين يا عجوز فقالت اريد نار ابراهيم فقال طول الله طريقك وقصر خطاك فاقامت تسير والحطب فوق رأسها وهى جيعانة عطشانة حتى ماتت لعنها الله تعالى قيل جمعوا له اصناف الحطب من انواع الخشب على ظهر الدواب اربعين يوما.
قال الكاشفى [وروغن فراوان برهيمه ريختند] يقال ان جميع الدواب امتنعت من حمل الحطب الا البغال فعاقبها الله ان اعقمها كما فى القصص.
وذكر فى فضائل القدس عن سعيد بن عبد العزيز انه قال فى زمن بنى اسرائيل فى بنت المقدس عند عين سلوان وعين سلوان فى القدس الشريف كزمزم فى مكة وكانت المرأة اذا قذفت اتوابها فسقوها من ماء هذه العين فان كانت بريئة لم يضرها وان كانت سقيمة ماتت فلما حملت مريم ام عيسى عليه السلام اتوابها وحملوها على بغلة فعثرت بها فدعت الله تعالى ان يعقم رحمها فعقمت من ذلك اليوم فلما اتتها شربت منها فلم تزد الاخير فدعت الله تعالى ان لا يفضح امرأة مؤمنة فغارت انتهى.
ثم اوقدوا الحطب سبعة ايام فلما اشتعلت النار صار الهواء بحيث لو مر الطير فى اقصى الجول لاحترق من شدة وهجها اى شدة حرها - روى - انهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها لعدم تأنى القرب منها فجاء ابليس فى صورة شيخ وعلمهم عمل المنجنيق.
قال فى انسان العيون اول من وضع المنجنيق ابليس فانه لما جعلوا فى الحطب النار ووصلت النار الى رأس الجدار المرتفع المبنى جنب الجبل لم يدروا كيف يلقون ابراهيم فتمثل لهم ابليس فى صورة نجار فصنع لهم المنجنيق ونصبوه على رأس الجبل ووضعوه فيه والقوه فى تلك النار واول من رمى به فى الجاهلية جذيمة الابرش وهو اول من اوقد الشمع انتهى.
وقيل صنعه لهم رجل من الاكراد وكان اول من صنع المنجنيق فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة ثم عمدوا الى ابراهيم فوضعوه فى كفة المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت السماء والارض ومن فيهما من الملائكة الا الثقلين صيحة واحدة اى ربنا ما فى ارضك احد يعبدك غير ابراهيم وانه يحرق فيك فائذن لنا فى نصرته فقال تعالى ان استغاث باحد منكم لينصره فقد اذنت له فى ذلك فان لم يدع غيرى فانا اعلم به وانا وليه فخلوا بينى وبينه فانه خليلى ليس لى خليل غيره وانا الهه ليس له اله غيرى فلما ارادوا القاءه فى النار اتاه خازن الرياح فقال ان شئت طيرت النار فى الهواء واتاه خازن المياه فقال ان اردت اخمدت النار فقال ابراهيم لا حاجة لى اليكم ثم رفع رأسه الى السماء فقال اللهم انت الواحد فى السماء وانا الواحد فى الارض ليس فى الارض من يعبدك غيرى حسبى الله ونعم الوكيل واقبلت الملائكة فلزموا كفة المنجنيق فرفعه اعوان النمرود فلم يرتفع فقال لهم ابليس أتحبون ان يرتفع قالوا نعم قال ائتونى بعشر نسوة فأتواه بهن فامرهن بكشف رؤوسهن ونشر شعورهن ففعلوا ذلك فمدت الاعوان المنجنيق وذهبت الملائكة فارتفع ابراهيم فى الهواء كما فى القصص وذلك ان الملك لا يرى الرأس المكشوف من المرأة بخلاف الجنى ولذا لما رأى نبينا عليه السلام الملك فى بدء الوحى فزع منه فاجلسته خديجة رضى الله عنها فى حجرها والقت خمارها وهو ما يغطى به الرأس ثم قالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عم اثبت وابشر فوالله انه لملك ما هذا بشيطان وحين القى فى النار قال لا اله الا انت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك.
قال فى التأويلات النجمية اذا اراد الله تعالى ان يكمل عبدا من عباده المخلصين يفديه بخلق عظيم كما انه تعالى اذا اراد استكمال حوت فى البحر يفديه بكثير من الحيتان الصغار فلما اراد تخليص ابريز الخلة من غش البشرية جعل النمرود وقومه فداء لابراهيم حتى اجمعوا على تحريقه بعد ان علموا انهم ظالمون فوضعوه فى المنجنيق ورموه الى النار فانقطع رجاؤه عن الخلق بالكلية متوجها الى الله تعالى مستسلما نفسه اليه حتى ان جبريل عليه السلام ادركه فى الهواء فامتحنه بقوله هل لك من حاجة وما كان فيه من الوجود ما تتعلق به الحاجة فقال اما اليك فلا قال له جبريل سل ربك امتحانا له فاخفى سره عن جبريل غيرة على حاله فقال حسبى من سؤالى علمه بحالى وما اظهر عليه حاله فادركته العناية الازلية بقوله {قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم} البرد خلاف الحر والسلام التعرى من الآفات اى كونى ذات برد من حرك وسلامة من بردك فزال ما فيها من الحرارة والاحراق وبقى ما فيها من الاضاءة والاشراق واختاره المحققون لدلالة الظاهر عليه وهذا كما ترى من ابدع المعجزات فان انقلاب النار هواء طيبا وان لم يكن بدعا من قدرة الله لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة مما يخرق العادات وقيل كانت النار بحالها الا انه تعالى خلق فى جسم ابراهيم كيفية مانعة من وصول اذى النار اليه كخزنة جهنم فى الآخرة وكما انه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث فى النار كما يشعر به ظاهر قوله على ابراهيم قيل فبردت نار الدنيا يومئذ ولم ينتفع بها احد من اهلها ولو لم يقل على ابراهيم لبقيت ذات برد ابدا على كافة الخلق بل على جميع الانبياء ولو لم يقل سلاما بعد قوله بردا لمات ابراهيم من بردها.
قال فى الكبير اما كونها سلاما عليه فلان البرد المفرط مهلك كالحر بل لا بد من الاعتدال وهو اما بان يقدر الله بردها بمقدار لا يؤثر او بان يصير بعض النار بردا ويبقى بعضها على حرارته او بان يزيد فى حرارة جسمه حتى لا يتأثر ببردها. قيل جعل كل شئ يطفئ عنه النار الا الوزغة فانها كانت تنفخ النار ولذا امر النبى عليه السلام بقتلها. قيل لما القى فى النار كان فيها اربعين يوما او خمسين وقال ما كنت اصيب عيشا زمانا من الايام التى كنت فيها فى النار كما قال بعض العارفين فى جبل لبنان وكان يأكل اصول النبات واوراق الشجر ظننت ان حالى اطيب من حال اهل الجنة: قال الحافظ

عاشقانرا كردر آتش مينشاندمهر دوست تنك جشمم كرنظردرجشمة كوثر كونم

قيل لما رموه فى النار اخذت الملائكة بضبعى ابراهيم واقعدوه فى الارض فاذا عين ماء عذب وورد احمر ونرجس.
قال الكاشفى [جون ابراهيم بميدان آتش فرود آمد فى الحال غل وبند او بسوخت] فبعث الله تعالى ملك الظل فى صورة ابراهيم فجاء فقعد الى جنب ابراهيم يؤنسه واتاه جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فالبسه القميص واجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال يا ابراهيم ان ربك يقول أما علمت ان النار لا تضرا حبابى ثم نظر النمرود من صرح له واشرف على ابراهيم فرآه جالسا فى روضة مؤنقة ومعه جليس على احسن ما يكون من الهيئة والنار محيطة به فناداه يا ابراهيم هل تستطيع ان تخرج منها قال نعم قال قم فاخرج فقال يمشى حتى خرج فاستقبله النمرود وعظمه وقال من الرجل الى رأيته معك فى صورتك قال ذلك ملك الظل ارسله ربى ليؤنسنى فيها فقال له النمرود انى مقرب الى الهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك وانى ذابح له اربعة آلاف بقرة فقال ابراهيم لا يقبل الله منك ما كنت على دينك هذا قال النمرود لا استطيع ترك ملكى وملتى لكن سوف اذبحها له ثم ذبحها وكف عن ابراهيم.
وفى القصص قال له النمرود اى بعد الخروج ما اعجب سحرك يا ابراهيم قال ليس هذا سحر ولكن الله جعل النار على بردا وسلاما والبسنى ثوب العز والبهاء فقال له النمرود فمن ذلك الرجل الذى كان جالسا عن يمينك والرجال الذين كانوا حولك فقال له ابراهيم فمن ملائكة ربى بعثهم الى يؤنسوننى ويبشروننى بان الله قد اتخذنى خليلا فتحير النمرود ولم يدر ما يصنع بابراهيم فحدثته نفسه بالجنون وقال لأصعدن الى السماء واقتل آلهك فامر ان يصنع له تابوت وثيق كما سبق فى اواخر سورة ابراهيم - وروى - انهم لما رأوه سالما لم يحترق منه سوى وثاقه قال هاران ابو لوط عليه السلام ان النار لا تحرقه لانه سحر النار لكن اجعلوه على شئ واوقدوا تحته فان الدخان يقتله ففعلوافطارت شرارة الى لحية ابى لوط فاحرقتها - روى - ان ابراهيم القى فى النار وهو ابن ست عشرة سنة. فان قلت هل وجد القول من الله تعالى حيث قال {قلنا يا نار كونى بردا وسلاما} او هو تمثيل. قلت جعل الله النار باردة من غير ان يكون هناك قول وخطاب لقوله تعالى
{ ان يقول له كن فيكون } . وذهب بعضهم الى ان ذلك القول قد وجد والقائل هو الله او جبريل قال باوامر الله.
قال ابن عطاء سلام ابراهيم من النار بسلامة صدره لما حكى الله عنه
{ اذ جاء ربه بقلب سليم } اى خال من جميع الاسباب والعوارض وبردت عليه النار لصحة توكله ويقينه مع ان نار العشق غالبة على كل شئ: وفى المثنوى:

عشق آن شعله است كوجون برفروخت هرجه جز معشوق باقى جمله سوخت
در بناه لطف حق بايد كريخت كو هزاران لطف بر ارواح ريخت
تا بناهى يابى آنكه جون بناه آب وآتش مرترا كردد سباه
نوح وموسى را نه دريا يار شد نى براعدا شان بكين قهارشد
آتش ابراهيم را نى قلعه بود تا برآورد از دل نمرود دود
كوه يحيى را نه سوى خويش خواند قاصدانش را بزخم سنك راند
كفت اى يحيى بيا در من كريز تا بناهت باشم از شمشيرتيز

فان قلت لم ابتلاه الله بالنار فى نفسه.
قلت كل رسول اتى بمعجزة تناسب اهل زمانه فكان اهل ذلك الزمان يعبدون النار والشمس والنجوم معتقدين انها من حيث ارواحها تربى الهياكل والاجسام بخاصية طبائع هن عليها فاراهم الله تعالى الحق ان العنصر الاعظم عندهم هو حقيقة الشمس وروح كرة الاثير والنجوم ولا تضر تلك الآلهة باذن الله بسريان القدرة القاهرة فى حقائق العناصر.
وقيل ابتلاه الله بالنار لان كل انسان يخاف بالطبع من صفة القهر كما قيل لموسى
{ لا تخف سنعيدها سيرتها الاولى } فاراه تعالى ان النار لا تضر شيئا الا باذن الله تعالى وان ظهرت بصفة القهر ولذلك اظهر الجمع بين التضاد بجعلها بردا وسلاما ومعجزة قاهرة لاعدائه المعتقدين بوصف الربوبية للعنصر الاعظم فكان ابتلاؤه بالنار معجزة ساطعة لعبدة النيران والنجوم كذا فى اسئلة الحكم