التفاسير

< >
عرض

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
١٠
-لقمان

روح البيان في تفسير القرآن

{خلق الله} تعالى واوجد {السموات} السبع وكذا الكرسى والعرش {بغير عمد} بفتحتين جمع عماد كاهب واهاب وهو ما يعمد به اى يسند يقال عمد الحائط اذا دعمته اى خلقها بغير دعائم وسوارى على ان الجمع لتعدد السموات: وبالفارسية [بيافرد آسمانها را بى ستون] {ترونها} استئناف جيئ به للاستشهاد على ما ذكر من خلقه تعالى اياها غير معمودة بمشاهدتهم لها كذلك او صفة لعمد اى خلقها بغير عمد مرئية على ان التقييد للرمز على انه تعالى عمدها بعمد لا ترى هى عمد القدرة.
واعلم ان وقوف السموات وثبات الارض على هذا النظام من غير اختلال انما هو بقدرة الله الملك المتعال ولله تعالى رجال خواص مظاهر القدرة هم العمد المعنوية للسموات والسبب الموجب لنظام العالم مطلقا وهم موجودون فى كل عنصر فاذا كان قرب القيامة يحصل لهم الانقراض والانتقال من هذه النشأة بلا خلف فيبقى العالم كشبح بلا روح فتنحل اجزاؤه انحلال اجزاء الميت ويرجع الظهور الى البطون ولا ينكر هذه الحال الا مغلوب القال نعوذ بالله من الانكار والاصرار {والقى فى الارض رواسى} الالقاء طرح الشئ حيث تلقاه وتراه ثم صار فى التعارف اسما لكل طرح. والرواسى جمع راسية من رسا الشئ يرسو اى ثبت والمراد الجبال الثوابت لانها ثبتت فى الارض وثبتت بها الارض شبه الجبال الرواسى استحقارا لها واستقلالا لعددها وان كانت خلقا عظيما بحصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن فى الارض وما هو الاتصوير لعظمته وتمثيل لقدرته وان كل فعل عظيم يتحير فيه الاذهان فهو هين عليه والمراد قال لها كونى فكانت فاصبحت الارض وقد ارسيت بالجبال بعد ان كانت تمور مورا اى تضطرب فلم يدر احد مم خلقت {ان تميد بكم} الميد اضطراب الشئ العظيم كاضطراب الارض يقال ماد يميد ميدا وميدانا تحرك واضطراب: وبالفارسية [الميد: جنبيدن وخراميدن] والباء للتعدية. والمعنى كراهة ان تميل بكم فان بساطة اجزائها تقتضى تبدل احيازها واوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته او لشئ من لوازمه بحيز معين ووضع مخصوص: وبالفارسية [تازمين شمارا نه جنباند يعنى حركت ندهد ومضرب نسازد جه زمين برروى آب متحرك بود جون كشتى وبجبال راسيات آرام يافت كما قال الشيخ سعدى قدس سره]

جومى كسترانيد فرش تراب جو سجادة نيك مردان برآب
زمين ازتب لرزه آمد ستوه فرو كفت بردامنش ميخ كوه

[درموضح ازضحاك نقل ميكنند كه حق سبحانه نوزده كوه را ميخ زمين كرد تابر جاى بايستاد ازجمله كوه قاف وابو قبيس وجودى ولبنان وسينين وطور سينا وفيران].
واعلم ان الجبال تزيد فى بعض الروايات على ما فيه الموضح كما سبق فى تفسير سورة الحجر.
قال بعضهم الجبال عظام الارض وعروقها وهذا كقول من قال من اهل السلوك الشمس والقمر عينا هذا التعين والكواكب ليست مركوزة فيه وانما هى بانعكاس الانوار فى بعض عروقه اللطيفة وهذا لا يطلع عليه الحكماء وانما يعرف بالكشف {وبث} [وبرا كنده كرد] {فيها} [درزمين] {من كل دابة} من كل نوع من انواعها مع كثرتها واختلاف اجناسها. اصل البث اثارة الشئ وتفريقه كبث الريح التراب وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر فبث كل دابة فى الارض اشارة الى ايجاده تعالى ما لم يكن موجودا واظهاره اياه والدب والدبيب مشى خفيف ويستعمل ذلك فى الحيوان وفى الحشرات اكثر {وانزلنا من السماء} من السحاب لان السماء فى اللغة ما علاك واظلك {ماء} هو المطر {فانبتنا فيها} فى الارض بسبب ذلك الماء والالتفات الى نون العظمة فى الفعلين لا براز مزيد الاعتناء بامرهما {من كل زوج كريم} من كل صنف كثير المنفعة.
قال فى المفردات وكل شئ يشرف فى بابه فانه يوصف بالكرم: وبالفارسية [ازهر صنف كياهى نيكو وبسيار منفعت] وكل ما فى العالم فانه زوج من حيث ان له ضدا ما او مثلا ما او تركبا ما من جوهر وعرض ومادة وصورة. وفيه تنبيه على انه لا بد للمركب من مركب وهو الصانع الفرد.
واعلم وفقنا الله جميعا للتفكر فى عجائب صنعه وغرائب قدرته ان عقول ان عقول العقلاء وافهام الاذكياء قاصرة متحيرة فى امر النباتات والاشجار وعجائبها وخواصها وفوائدها ومضارها ومنافعها وكيف لا وانت تشاهد اختلاف اشكالها وتباين الوانها وعجائب صور اوراقها وروائح ازهارها وكل لون من الوانها ينقسم الى اقسام كالحمرة مثلا كوردىّ وارجوانى وسوسنى وشقائقى وخمرى وعنابى وعقيقى ودموى ولكىّ وغير ذلك مع اشتراك الكل فى الحمرة ثم عجائب روائحها ومخالفة بعضها بعضا واشتراك الكل فى طيب الرائحة وعجائب اشكال اثمارها وحبوبها واوراقها ولكل لون وريح وطعم وورق وثمر وزهر وحب وخاصية لا تشبه الاخرى ولا يعلم حقيقة الحكمة فيها الا الله والذى يعرف الانسان من ذلك بالنسبة الى ما لا يعرفه كقطرة من بحر وقد اخرج الله تعالى آدم وحواء عليهما السلام من الجنة فبكيا على الفراق سنين كثيرة فنبت من دموعهما نباتات حارة كالزنجبيل ونحوه فلم يضيع دموعهما كما لم يضيع نطفته حيث خلق منها يأجوج ومأجوج اذ لا يلزم ان يكون نزول النطفة على وجه الشهوة حتى يرد انه لم يحتلم نبى قط وقد سبق البحث فيه