التفاسير

< >
عرض

وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٦
-النساء

روح البيان في تفسير القرآن

{وابتلوا اليتامى} اى واختبروا ايها الاولياء والاوصياء من ليس من اليتامى بين السفه قبل البلوغ يتتبع احوالهم فى صلاح الدين والاهتداء الى ضبط المال وحسن التصرف فيه وجربوهم بما يليق بحالهم فان كانوا من اهل التجارة فبان تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعا وابتياعا وان كانوا ممن له ضياع واهل وخدم فبان تعطوا منه ما يصرفونه الى نفقة عبيدهم وخدمهم واجرائهم وسائر مصارفهم حتى يتبين لكم كيفية احوالهم {حتى اذا بلغوا النكاح} بان يحتلموا لانهم يصلحون عنده للنكاح {فان آنستم} اى شاهدتم وتبينتم {منهم رشدا} صلاحا فى دينهم واهتداء الى وجوه التصرفات من غير عجز وتبذير {فادفعوا اليهم اموالهم} من غير تأخير عن حد البلوغ.
وظاهر الآية الكريمة ان من بلغ غير رشيد اما بالتبذير او بالعجز لا يدفع اليه ماله ابدا وبه اخذ ابو يوسف ومحمد.
وقال ابو حنيفة ينتظر الى خمس وعشرين سنة لان البلوغ بالسن ثمانى عشرة فاذا زادت عليها بسبب سنين وهى مدة معتبرة فى تغيير احوال الانسان لما قال عليه السلام
"مروهم بالصلاة لسبع"
.دفع اليه ماله اونس منه رشد او لم يونس {ولا تأكلوها اسرافا} بغير حق حال اى مسرفين وليس فيه اباحة القليل وتحريم الاسراف بل هو بيان انه اسراف {وبدارا} اى مبادرين ومسارعين الى انفاقهما مخافة {ان يكبروا} فتفرطون فى انفاقها وتقولون ننفق كما نشتهى قبل ان تكبر اليتامى رشدا فينتزعوها من ايدينا ويلزمنا تسليمها اليهم {ومن كان غنيا} من الاولياء والاوصياء {فليستعفف} فليتنزه عن اكلها وليمتنع وليقنع بما آتاه الله من الغنى والرزق اشفاقا على اليتيم وابقاء على ماله واستعفف ابلغ من عف كأنه يطلب زيادة العفة {ومن كان} من الاولياء والاوصياء {فقيرا فليأكل بالمعروف} اى بما عرف فى الشرع بقدر حاجته الضرورية واجرة سعيه وخدمته وفيه ما يدل على ان للوصى حقا لقيامه عليها {فاذا دفعتم اليهم اموالهم} بعد ما راعيتم الشرائط المذكورة {فأشهدوا عليهم} بانهم تسملوها وقبضوها وبرئت منها ذممكم لما ان ذلك ابلغ من التهمة وانفى للخصومة وادخل فى الامانة وبراءة الساحة وان لم يكن واجبا عند اصحابنا فان الوصى مصدق فى الدفع مع اليمين وقال مالك والشافعى لا يصدق فى دعواه الا بالبينة {وكفى بالله} الباء صلة {حسيبا} محاسبا وحافظ الأعمال خلقه فلا تخالفوا ما امرتم به ولا تجاوزوا ما حدّ لكم واعلموا ان اللائق للعاقل ان يحترز عن حق الغير خصوصا اليتيم فانه يجره الى نار الجحيم فأكل حقه من الكبائر ومن ابتلى بحق من حقوق العباد فعليه بالاستحلال قبل الانتقال الى دار السؤال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كانت عنده مظلمة لاخيه او شىء فليتحلله منه اليوم من قبل ان لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح اخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات اخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال ارباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص وليسرّ ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الاخلاص حيث لا يطلع عليه الا الله فعساه يقربه ذلك الى الله فينال به لطفه الذى ادخره لارباب الايمان فى دفع مظالم العباد عنهم بارضائه اياهم" .
قال العلماء اذا زنى بامرأة ولها زوج فما لم يجعل ذلك الرجل فى حل لا يغفر له لان خصمه الآدمى فاذا تاب وجعله فى حل فان يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى ولكن يقول كل حق لك على فاجعلنى فى حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الامم السالفة ما لم يذكروا الذنب لا يغفر لهم وكذا غصب اموال عباد الله واكلها وضربهم وشتمهم وقتلهم كلها من الحقوق التى يلزم فيها ارضاء الخصماء والتوبة والمبادرة الى الاعمال الصالحة والافعال الحسنة فاذا لم يتب العبد من امثال هذه ولم يرض خصماءه كان خاسرا خاليا عن العمل عند العرض الاكبر

نماند ستمكار بد روزكار بماند برو لعنت بايدار
جنان زى كه ذكرت بتحسين كند جو مردى نه بركور نفرين كنند
تبايد برسم بد آيين نهاد كه كويند لعنت بران كين نهاد

فينبغى للظالم ان يتوب من الظلم ويتحلل من المظلوم فى الدنيا فاذا لم يقدر عليه ينبغى ان يستغفر له ويدعو له فان يرجى ان يحلله بذلك.
وعن فضيل بن عياضرحمه الله انه قال قراءة آية من كتاب الله والعمل بها احب الى من ختم القرآن الف الف مرة وادخال السرور على المؤمن وقضاء حاجته احب الى من عبادة العمر كله وترك الدنيا ورفضها احب الى من التعبد بعبادة اهل السموات والارض وترك دانق من حرام احب الى ما مائتى حجة من المال الحلال.
وقال ابو القاسم الحكيم ثلاثة اشياء تنزع الايمان من العبد. اولها ترك الشكر على الاسلام. والثانى ترك الخوف على ذهاب الاسلام. والثالث الظلم على اهل الاسلام وعن ابى ميسرة قال اتى بسوط الى رجل فى قبره بعدما دفن يعنى جاءه منكر ونكير فقالا له انا ضارباك مائة سوط فقال الميت انا كنت كذا وكذا يتشفع حتى حطا عنه عشرا ثم لم يزل بهما حتى صارت الى ضربة واحدة فقالا له انا ضارباك ضربة واحدة فضرباه ضربة واحدة التهب القبر نارا فقال لم ضربتمانى قالا مررت برجل مظلوم فاستغاث بك فلم تغثه فهذا حال الذى لم يغث المظلوم فكيف يكون حال الظالم.
واعلم ان الكبار يكفون انفسهم عن المشتبهات فضلا عن الحرام فان اللقمة الطيبة لها اثر عظيم فى اجابة الدعاء ولذا قال الشيخ نجم الدين الكبرى قدس سره اول شرائط اجابة الدعاء اصلاح الباطن بلقمة الحلال وآخر شرائطها الاخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى اذ القلب الحاضر فى الحضرة شفيع له قال تعالى
{ فادعوا الله مخلصين له الدين } [غافر: 14].
فحركة الانسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارس على السطح فعلى العاقل ان يحترز عن الحرام والمشتبهات كى يستجاب دعاؤه فى الخلوات.