التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٩٠
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ
٩١
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ
٩٢
-المائدة

روح البيان في تفسير القرآن

{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر} هذه هى الآية الرابعة من الآيات الاربع التى نزلت فى الخمر وقد سبق التفصيل فى سورة البقرة ويدخل فى الخمر كل مسكر {والميسر} اى القمار كله فيدخل فيه النرد والشطرنج والاربعة عشر والكعب والبيضة وغير ذلك مما يقامرون به {والأنصاب} اى الاصنام المنصوبة للعبادة واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد {والأزلام} هى سهام مكتوب على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى يطلبون بها علم ما قسم من الخير والشر.
قال المفسرون كان اهل الجاهلية اذا اراد احدهم سفرا او غزوا او تجارة او غير ذلك طلب علم انه خير او شر من الازلام وهى قداح كانت فى الكعبة عند سدنة البيت على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى وبعضها غفل لا كتابة عليها ولا علامة فان خرج السهم الآمر مضوا على ذلك وان خرج الناهى يجتنبون عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام بالازلام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم وهى جمع زلم {رجس} قذر يعاف عند العقول اى تكرهه وتنفر منه العقول السليمة. والرجس بمعنى النجس الا ان النجس يقال فى المستقذر طبعا والرجس اكثر ما يقال فى المستقذر عقلا وسميت هذه المعاصى رجسا لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشىء المستقذر {من عمل الشيطان} صفة لرجس اى رجس كائن من عمله اى من تزيينه لانه هو الداعى اليه والمرغب فيه والمزين له فى قلوب فاعليه {فاجتنبوه} اى الرجس {لعلكم تفلحون} اى راجين فلاحكم امر بالاجتناب وهو تركه جانبا وظاهر الامر على الوجوب {انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر} وهو اشارة الى المفاسد الدنيوية.
اما العداوة فى الخمر فهى ان الشاربين اذا سكروا عربدوا وتشاجروا. كما فعل الانصارى الذى شج سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل.
واما العداوة فى الميسر فهى ان الرجل كان يقامر على الاهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الاهل والمال مغتاظا على حرفاته والفرق بين العداوة والبغضاء ان كل عدو مبغض بلا عكس كلى. وقوله تعالى فى الخمر متعلق بيوقع على ان تكون كلمة فى هنا لافادة معنى السببية كما فى قوله عليه السلام
"ان امرأة دخلت النار فى هرة" اى يوقع بينكم هذين الشيئين فى الخمر بسبب شربها وتخصيص الخمر والميسر تنبيها على انهما المقصودان بالبيان لان هذه الآية خطاب مع المؤمنين والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وانما ضم الانصاب والازلام اليهما مع ان تعاطيهما مختص باهل الجاهلية تأكيدا لقبح الخمر والميسر واظهارا لكون هذه الاربعة متقاربة فى المفسدة {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة} اى يمنعكم عنهما وهو اشارة الى المفاسد الدينية فان شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية والنفس اذا استغرقت فى اللذة غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة وكذا من يقامر بالميسر ان كان غالبا صار استغراقه فى لذة الغلبة يورثه الغفلة عن العبادة وان صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بان يختال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من ان يخطر بباله شىء سواه وتخصيص الصلاة بالافراد مع دخولها فى الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد عنها كالصاد عن الايمان لما انها عماده {فهل انتم منتهون} لفظه استفهام ومعناه امر اى انتهوا وهذا نهى بألطف الوجوه ليكون ادعى الى الانتهاء فلما سمعها عمر رضى الله عنه قال انتهينا يا رب وحرمت الخمر فى سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة احد{واطيعوا الله واطيعوا الرسول} فيما امرا به وهو عطف على اجتنبوه {واحذروا} عما نهيا عنه {فان توليتم} اى اعرضتم عن الامتثال والطاعة {فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين} وقد فعل ذلك بما لا مزيدة عليه وخرج عن عهدة الرسالة أى خروج وقامت عليكم الحجة انتهت الاعذار وانقطعت العلل وما بقى بعد ذلك الا العقاب.
اعلم ان الله تعالى قرن الخمر والميسر بالاصنام ففيه تحريم بليغ لهما ولعل قوله عليه السلام
"شارب الخمر كعابد الوثن"
.مستفاد من هذه الآية وفى الحديث "من شرب الخمر فى الدنيا سقاه الله من سم الاساود وسم العقارب اذا شربه تساقط لحم وجهه فى الاناء قبل ان يشربها فاذا شربها تفسخ لحمه كالجيفة يتأذى به اهل الموقف ومن مات قبل ان يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ان يسقيه بكل جرعة شربها فى الدنيا شربة من صديد جهنم"
.وفى الحديث "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها" .
وفى الحديث "من شرب الخمر بعد ان حرمها الله على لسانى فليس له ان يزوج اذا خطب ولا يصدق اذا حدث ولا يشفع اذا تشفع ولا يؤمن على امانة فمن ائتمنه على امانته فاستهلكها فحق على الله ان لا يخلف عليه" قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره

بى نمكى دان جكر آميخته بر جكر بى نمكان ريخته
بى خبر آن مردكه جيزى جشيد كش قلم بى خبرى دركشيد

والاشارة {يا أيها الذين ءآمنوا} ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية فى قلوبهم {انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} فاما الخمر فانها تخمر العقل وهو نور روحانى علوى من اوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفسانى سفلى من اخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فاذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى الى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها فى مهالك المخالفات كلها ولهذا قال عليه السلام "الخمر ام الخبائث" لان هذه الخبائث كلها تولدت منها.
واما الميسر فان فيه تهيج اكثر الصفات الذميمة وهى الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد واشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل.
واما الانصاب فهى تعبد من دون الله فهى تصير العبد مشركا بالله.
واما الازلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات فان الله هو الضار والنافع ثم قال تعالى {رجس من عمل الشيطان} يعنى هذه الاشياء اخبث شىء من اعمال الشيطان التى يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد {فاجتنبوه} اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الاعمال الخبيثة {لعلكم تفلحون} تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الاعمال كذا فى التأويلات النجمية.