التفاسير

< >
عرض

يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ
٩٥
-المائدة

روح البيان في تفسير القرآن

{يا أيها الذين ءآمنوا لا تقتلوا الصيد} وهو عند ابى حنيفة اسم لكل ممتنع متوحش من الحيوانات سواء كان مأكول اللحم او لم يكن والمراد ما عدا الفواسق وهى العقرب والحية والغراب والفارة والكلب العقور فانها تقتل فى الحل والحرم {وانتم حرم} جمع حرام وهو المحرم وان كان فى الحل وفى حكمه من فى الحرم وان كان حلالا اى لابس حله فالمحرم لا يتصيد اصلا سواء كان فى الحل او فى الحرم بالسلاح او بالجوارح من الكلاب والطير والحلال يتصيد فى الحل دون الحرام اى حرم مكة ومقداره من قبل المشرق ستة اميال ومن الجانب الثانى اثنا عشر ميلا ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا ومن الجانب الرابع اربعة وعشرون ميلا هكذا قال الفقيه ابو جعفر. وانما ذكر القتل دون الذبح للايذان بكونه فى حكم الميتة فكل ما يقتله المحرم من الصيد لا يكون مذكى وغير المذكى لا يجوز اكله والمعنى لا تقتلوه والحال انتم محرمون {ومن} شرطية {قتله} اى الصيد المعهود البرى مأكولا كان او غير مأكول حال كون القاتل كائنا {منكم} اى من المؤمنين ولعل المقصود من التقييد بالحال توبيخ المؤمن على عدم جريانه على مقتضى ايمانه {متعمدا} حال ايضا من فاعل قتله اى ذاكرا لاحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله والتقييد بالتعمد مع ان محظورات الاحرام يستوى فيها الخطأ والعمد لان الاصل فعل المتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ {فجزاء} اى فعليه جزاء وفدية {مثل ما قتل} اى مماثل لما قتل فهو صفة الجزاء والمراد به عند ابى حنيفة وابى يوسف المثل باعتبار القيمة لا باعتبار الخلقة والهيئة فيتقوم الصيد حيث صيد اوفى اقرب الاماكن اليه ان قتل فى بر لا يباع ولا يشترى فيه فان بلغت قيمته قيمة هدى تخير الجانى بان يشترى بها ما قيمته قيمة الصيد فيهديه الى الحرم وبين ان يشترى بها طعاما فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر او صاعا من تمر وبين ان يصوم عن طعام كل مسكين يوما فان فضل ما لا يبلغ طعام مسكين تصدق به او صام عنه يوما كاملا لان الصوم مما لا يتبعض فيكون قوله تعالى {من النعم} بيانا للهدى المشترى بالقيمة على احد وجوه التخيير فان فعل ذلك يصدق عليه انه جزى بمثل ما قتل من النعم والنعم فى اللغة من الابل والبقر والغنم فاذا انفردت الابل قيل انها نعم واذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعما {يحكم به} اى بمثل ما قتل صفة لجزاء {ذوا عدل منم} اى رجلان عدلان من المسلمين {هديا} الهدى ما يهدى الى البيت تقربا الى الله تعالى من النعم ايسره شاة واوسطه بقرة واعلاه بدنة اى ناقة وهو حال مقدرة من الضمير فى به والمعنى مقدرا انه يهدى {بالغ الكعبة} صفة لهديا لان الاضافة لفظية والاصل بالغا الكعبة ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم حتى لو دفع الهدى المماثل للمقتول الى فقراء الحرم لم يجز بالاتفاق بل يجب عليه ذبحه فى الحرم وله ان يتصدق به بعد ذبحه فى الحرم حيث شاء عند ابى حنيفة {أو كفارة} عطف على محل من النعم على انه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة ثانية لجزاء {طعام مساكين} عطف بيان لكفارة عند من لا يخصصه بالمعارف {أو عدل ذلك صياما} عطف على طعام الخ كأنه قيل فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم او طعام مساكين او صيام ايام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدى والطعام والصيام. اما الاولان فبلا واسطة. واما الثالث فبواسطة الثانى فيختار الجانى كلا منها بدلا من الآخرين.
قال الفراء العدل بالكسر المثل من جنسه والعدل بالفتح المثل من غير جنسه فعدل الشىء ما عادله من جنسه كالصوم والاطعام وعدله ما عدل به فى المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك اشارة الى الطعام وصياما تمييز للعدل والخيار فى ذلك للجانى عند ابى حنيفة وابى يوسف وللحكمين عند محمد {ليذوق} متعلق بالاستقرار فى الجار والمجرور اى فعليه جزاء ليذوق قاتل الصيد {وبال أمره} اى سوء عاقبة هتكه لحرمة الاحرام والوبال فى الاصل المكروه والضرر الذى ينال فى العاقبة من عمل سولته نفسه {عفا الله عما سلف} من قتل الصيد محرما قبل التحريم {ومن عاد} الى قتل الصيد بعد النهى عنه وهو محرم ومن شرطية {فينتقم الله منه} اى فهو ممن ينتقم الله منه لان الفعل اذا وقع جزاء لا يحتاج الى الحرف بخلاف الجملة الاسمية فقدر المبتدأ لئلا تصير الفاء الجزائية لغوا والمراد بالانتقام التعذيب فى الآخرة واما الكفارة فعن بعضهم انها واجبة على العائد وعن بعضهم انه لا كفارة عليه تعلقا بالظاهر واصل الانتقام الانتصار والانتصاف واذا اضيف الى الله تعالى اريد به المعاقبة والمجازاة {والله عزيز} غالب لا يغالب {ذو انتقام} شديد ممن اصر على العصيان والاعتداء قال الله تعالى مخاطبا لخليله [يا ابراهيم خف منى كما تخاف من السبع الضارى] يعنى ان الله تعالى اذا اراد اجراء قضائه على احد لا يفرق بين نبى وولى وعدو كما لا يفرق السبع المفترس بين نفاع وضرار فهو تعالى شديد البطش فكيف يتخلص المجرمون من يد قهره وانتقامه فليحذر العاقل من المخالفة والعصيان بقدر الاستطاعة والامكان اينما كان فان الانسان لا يحصد الا ما يزرع: قال فى المثنوى

جمله دانند اين اكر تونكروى هرجه مى كاريش روزى بدروى

والعجب ان الانسان الضعيف كيف يعصى الله القوى وليس الا من الانهماك فى الشهوات والغفلة عن الله تعالى والنكتة فى قوله تعالى {يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم} انه اباح الصيد لمن كان حلالا وهم اهل السلو من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالاعمال البدنية من قصور هممهم الدنية وحرم الصيد على من كان حراما وهم اهل المحبة المحرومون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة يعنى من قصدنا فعليه بحسم الاطماع جملة ولا ينبغى ان يكون له مطالبة بحال من الاحوال الا طلب الوصال ويقال العارف صيد الحق ولا يكون للصيد صيد {ومن قتله منكم} اى من الطلاب اذا التفت لشىء من الدنيا {متعمدا} وهو واقف على مضرته وعالم بما فيه فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس {فجزاء مثل ما قتل من النعم} يجازى نفسه برياضة ومجاهدة ويماثل ألمها تلك اللذة والشهوة {يحكم به ذوا عدل منكم} وهو القلب والروح يحكمان على مقدار الايمان وعلى انواع الرياضات بتقليل الطعام والشراب او ببذل المال او بترك الجام او بالعذلة والخلوة وضبط الحواس {هديا بالغ الكعبة} اى خالصا لله تعالى فيما يعمل بحيث يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق {او كفارة طعام مساكين} وهم العقل والقلب والسر والروح والخفى فانهم كانوا محرمين من اغذيتهم الروحانية من صدق التوجه الى الحق وخلوص الاعراض عن الخلق وتجرع الصبر على المكروهات والفطام عن المألوفات والشكر على الموهوبات والرضى بالمقدرات والتسليم للاحكام الازليات {او عدل ذلك صياما} والصيام هو الامساك عن ملاحظة الاغيار وطلب الاختيار والركون الى غير الملك الجبار {ليذوق} النفس الامارة {وبال أمره} اى تتألم بألم هذه المعاملات التى على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما نالت من لذائذ الشهوات وحلاوة الغفلات {عفا الله عما سلف} من الطالبين قبل اقدامهم على الطلب {ومن عاد} الى تعلق شىء من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق {فينتقم الله منه} بالخذلان فى الدنيا والخسران فى العقبى {والله عزيز} لا يوجد لمن تعلق بالكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير {ذو انتقام} ينتقم من احبائه باحتجاب التعزز بالكبرياء والعظمة على قدر ألتفاتهم الى غيره وملاحظتهم ما سواه وينتقم من اعدائه بما قاله { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } [الأنعام: 110] الآية.
من التأويلات النجمية وفى المثنوى

عاشق صنع توام درشكروصبر عاشق مصنوع كىباشم جوكبر
عاشق صنع خدا بافر بود عاشق مصنوع او كافر بود

فعلى الطالب الصادق ان ينقطع عن الالتفات الى الغير ويتصل الى من بيده الخير والله الموفق والمعين.