التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٤٣
-الأعراف

روح البيان في تفسير القرآن

{ولما جاء موسى لميقاتنا} اى لوقتنا الذى وقتناه وعيناه وحددناه له وهو تمام الاربعين اى اختص مجيئه بميقاتنا كما فى قولك اتيته لعشر خلون من الشهر فاللام للاختصاص وليست بمعنى عند والميقات بمعنى الوقت وقد سبق الفرق بينهما فى المجلس المتقدم.
ان قيل لم وعده الله بالكلام فى الجبل وفوق العلى وتحت الثرى واحد عند حضرته وهو منزه عن الجهات.
قيل ان فى الجبل وصف الثبات والعلو والتفرد لان الارض ما استقرت بغير الجبال فاثبتها الحق بها واوتدها حكمة منه وعرض الامانة عليها لاتصافها بصفة التثبت والتمكن والتفرد والتعلى ولذلك فضل الجبال فى الامكنة وشرفها بمشهد الكلام وتعلق تجلى الجمال وعرض الامانة عليها وشرح الصدر المحمدى فيها ومناجاة موسى عليها فبدا من ذلك ان فى المقامات فاضلا ومفضولا.
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى البروسوى خير الجماعة جماعة الارواح وجماعتهم فى الجبال والمواضع الخالية وعلامة مجمعهم انه لا يذهب خضرة ذلك الموضع ونظارته فى الصيف والشتاء قال انما جئنا الى هذا المكان فى هذا الجبل بناء على مجيئتهم.
يقول الفقير عنى به موضع زاويته المنيفة فى مدينة بروسة فى سفح الجبل المعروف هناك وقد زرته وزرت مرقده العالى فى داخل القلعة قدس الله سره.
وقال وهب جاء الى طور سيناء ومعه جبريل فتطهر وطهر ثوبه وانزل الله الظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الارض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فرأى الملائكة قياما فى الهواء وراى العرش بارزا وسمع صرير القلم {وكلمه ربه} من غير واسطة وكيفية كما يكلم الملائكة وكان جبريل معه فلم يسمع ما كلمه ربه ولذا خص باسم الكليم لاختصاصه بذلك من بين البشر فان سائر الانبياء عليهم السلام انما يكلمهم الله بواسطة الكتاب والملك.
فان قيل بأى شيء علم موسى انه كلام الله.
قيل لم ينقطع كلامه بالنفس مع الحق كما ينقطع مع المخلوق بل كلمه بمدد وحدانى غير منقطع شاهد نفسه بمنزلة الآلة عند الصانع والآلة يحركها الاستاذ كيف يشاء لانه ليس للآلة تصنع وتعمل.
وقيل علم انه كلام الحق وميزه عن غيره بانه سمع الكلام من الجوانب الستة فصارت جميع جوارحه كسمعه فصار الوجود كله سمعا فوجد لذة الكلام بوجوده كما وجدها بسمعه.
قال ابن الشيخ فى حواشيه كلامه تعالى صفة ازلية قائمة بذاته ليست من جنس هذه الحروف والاصوات وكما لا تبعد رؤيته تعالى مع ان ذاته ليست جسما ولا عرضا فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع كونه ليس من جنس الحرف والصوت انتهى.
وفى حل الرموز المؤمن فى الآخرة وجه محض وعين محض وسمع محض ينظر من كل جهة وبكل جهة وعلى كل جهة وكذا يسمع بكل عضو من كل جهة بغير جهة خاصة واذا شاهد الحق يشهده بكل وجه ليس فيه من الجهات ولا يحتجب سمعه وبصره بالجهات كما اشار سبحانه بقوله:
"كنت سمعه وبصره"
. والكامل الواصل له حكم الآخرة فى الدنيا كما قال سيد الواصلين "موتوا قبل ان تموتوا وحاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا" انتهى.
يقول الفقير هذا ليس بمحل الجرح والانكار لان الله تعالى وان خلق حاسة السمع لادراك الاصوات لكن يجوز ان يدرك بحاسة ما يدرك بحاسة اخرى كما ذهب اليه علماء الكلام لان ذلك الادراك يمحض خلق الله تعالى من غير تأثير للحواس فلا يمتنع ان يخلق عقيب صرف الباصرة ادراك الاصوات. مثلا فثبت ان كل عضو من الاعضاء الانسانية يجوز ان يخلق الله تعالى فيه ما خلق فى السمع من ادراك الاصوات.
ان قيل لم لم يكلم الله سائر الانبياء مشافهة الا موسى.
قيل لانه لم يكن لهم من الاعداء ما لموسى كفرعون وهامان وقارون واليهود ولم يكن قوم اسوأ ادباً واقسى قلباً من قومه فخصه الله بكلامه ألا ترى سحرة القبط آمنوا فى اول دعوته وكفر قوم من اليهود بعد مشاهدتهم معجزات كثيرة فايده الله بكلامه ليتحمل به ما امتحن به من البلايا فى قومه.
يقول الفقير كون عدو موسى اقوى واشد انما هو بالنسبة الى اعداء الانبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم فانه قد ثبت ان فرعون آمن عند الغرق واما ابو جهل فلا بل اظهر العداوة عند النزع فاعتبر منه قوة حاله وعلو مقامه صلى الله عليه وسلم فى المكالمة والرؤية ليلة المعراج وفى الحديث
"ناجى موسى ربه بمائة الف واربعين الف كلمة فى ثلاثة ايام وصايا كلها"
.كذا فى الوسيط.
وقال بعضهم كلم الله موسى اربعين يوما وليلة وهذا والله اعلم غير الاربعين المتقدمة على الوحى والتعليم.
وعن فضيل بن عياض قال حدثنى بعض اشياخى ان ابليس جاء الى موسى وهو يناجى ربه فقال الملك ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحال يناجى ربه قال ارجو منه ما رجوت من ابيه آدم وهو فى الجنة.
وكذا قال السدى لما كلم الله موسى غاص الخبيث ابليس فى الارض حتى خرج من بين يدى موسى فوسوس اليه ان مكلمك شيطان.
يقول الفقير يرده ما سبق من ان الشيطان طرد عنه وقتئذ وهو الصحيح لان المقام لا يسع الشيطان وانما سلطانه على اهل الملك دون ارباب الملكوت وفرق بينه وهو مناج فى الطور وبين آدم وهو معاشر فى الجنة
فان قلت قوله تعالى فى سورة الحج
{ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } [الحج: 52].
يدل على ان كل نبى مبتلى بذلك خصوصا وقت التلاوة وهى من انواع المناجاة.
قلت فرق بين التلاوة الظاهرة والمناجاة الباطنة الا ترى الى قوله عليه السلام
"لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل"
. فما ظنك بالشيطان المردود الى اسفل سافلين البعد كما لاح ببالى والله اعلم ولما سمع موسى كلام ربه غلب عليه الشوق الى رؤيته وقال هذه لذة الخبر فكيف لذة النظر مع ان الكل يعمل على شاكلته وشاكلة البشر وفطرته على طلب العلو والترقى اذا ظفر بشيء طلب ما هو اعلى منه ولا اعلى من تجلى الجمال وفيض الوصال فسأل الرؤية.
وفى التفسير الفارسى [جون موسى كلام حق شنيد وازجام كلام ربانى جرعه ذوق محبت جشيد فراموش كردكه او در دنياست خيال بستكه درفردوس اعلاست وجون جنت جاى مشاهده لقاست] {قال رب ارنى} ذاتك اى مكننى من رؤيتك {انظر اليك} ارك فالنظر بمعنى الرؤية الا ان المطلوب بقوله ارنى ليس ان يخلق الله تعالى رؤية ذاته المقدسة فى موسى حتى يلزم كون الشيء غاية ذاته المقدسة وتمكينه تعالى اياه من الرؤية سبب لرؤية موسى اياه تعالى فاطلق عليه اسم الرؤية المسببة عنه مجازا -روى- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال لما قال موسى عليه السلام {ارنى انظر اليك} كشف الحجاب وابرز له الجبل (وقال انظر) فنظر فاذا امامه مائة الف نبى واربعة وعشرون الف نبى محرمين ملبين كلهم يقول ارنى ارنى.
واعلم ان الاجساد تنمو بنماء الاقوات كذلك الاحوال تصفو بصفاء الاوقات فقوت جسدك ما غذيته من الطيبات وقوت روحك ما ربيت به من اقوات الطاعات فى اوقات الخلوات كلما صفت الاوانى جلت ما فيها من جواهر المعانى فاذا كان عين بصيرتك منطمسة وخيول همتك منحبسة فمالك والتطاول الى منازل قوم عيون قلوبهم منبجسة وسرائرهم لانوار معارفهم من جذوة الغيب مقتبسة فلا تدع بما ليس فيك وحسبك ما يعلم الله منك ويكفيك فينبغى لك ان تقف وقوف الاصاغر وتتأدب بآداب الاكابر هذا كليم الله موسى لما كان طفلا فى حجر تربية الحق سبحانه ما تجاوز حده بل قال
{ رب إنى لما أنزلت إلىَّ من خير فقير } [القصص: 24].
فلما بلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الاطفال بل قال {رب ارنى انظر اليك} وهو حجة اهل السنة والجماعة على جواز رؤية الله تعالى فإن موسى اعتقد جوازها حين سألها واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله تعالى كفر ومن جوز ذلك على موسى او على احد من الانبياء فهو كافر كما فى التيسير.
قال حضرة الشيخ الكبير صدر الدين القنوى فى فك ختم الفص الداودى من شأن الكمل ان كل ما هو متعذر الحصول لاحد من الخلق وهو عندهم وبالنسبة الى كمال قابليتهم غير متعذر ولا يستحيل الا ان يخبرهم الحق باخبار مخصوص خارج من خواص المواد والوسائط فحينئذ يصدقون ربهم ويحكمون باستحالته وحصول ذلك كحال موسى فى طلب الرؤية على وجه مخصوص فلما اخبر بتعذر ذلك تاب وآمن انتهى {قال} الله تعالى وهو استئناف بيانى {لن ترينى} لم يقل لن تنظر الى كقوله انظر اليك لان المطلوب هى الرؤية التى معها ادراك لا النظر الى هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئى لانه قد يتخلف عنه الادراك فى بعض الصور.
قال فى التفسير {لن ترينى} [نتوانى ديد مرا در دنيا جه حكم ازلى برآن وجه واقع شده كه هر بشرى كه در دنيا بمن نظر كندبميرد] وفى المدارك {لن ترينى} بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء والنوال بعين باقية [صاحب كشف الاسرار كويدكه مقام موسى دران ساعت كه خطاب لن ترانى شنيد عالى بود ازان وقتكه كفت ارنى زيرا اين ساعت درعين مراد حق بود وآن وقت درعين مراد خود قائم بمراد حق بود كاملترست ارقيام بمراد خود]

لن ترانى ميرسد از طور موسى را جواب هرجه آن ازدوست آيدسربنه كردن متاب

وهو دليل لنا ايضا لانه لم يقل لن ارى ليكون نفيا للجواز ولو لم يكن مرئيا لا خبر بانه ليس بمرئى اذ الحالة حالة الحاجة الى البيان فهو لا يدل على امتناع رؤيته فى نفس الامر بل يدل على قصور الطالب عن رؤيته لتوقف الرؤية على حصول ما يستعد به الطالب لرؤيته وعدم حصول ذلك المعد فيه بعد فانه يجوز ان يبقى فيه حينئذ شيء من الخجاب المانع لرؤيته اياه لم يرتفع ذلك الحجاب بعد.
يقول الفقير هذا ما عليه اكثر اهل التفسير وهو ليس بمرضى عندى لأن اتيان الطور لم يكن فى اوائل حاله عليه السلام بل كان نظير المعراج الحمدى بالنسبة الى مرتبه والتحقيق بعيد عن درك اهل التقليد.
وقد سألت حضرة شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة عن قولهم فى قوله تعالى {لن ترانى} اى ببشريتك ووجودك فقال ان البشرية تنافى الرؤية وموسى عليه السلام انما سأل الرؤية بالنسبة الى ظاهر البشرية والوجود الكونى وهى لا تمكن ابدا بل لو تعلقت الرؤية بذات الله تعالى لتعلقت حالة الفناء فى الله واضمحلال حالة البشرية فقلت يرد عليه ما وقع ليلة المعراج من الرؤية بعين الرأس فقال انه حبيب الله رأى ربه فى تلك الليلة بالسر والروح فى صورة الجسم ولا جسم هناك لانه تجاوز فى سيره عن عالم الاجسام كلها بل عن عالم الارواح حتى وصل الى عالم الامر.
فقلت يرد عليه ان الانبياء والاولياء مشتركون فى الرؤية بالبصيرة حالة الفناء الكلى فلا فرق بين موسى ومحمد عليهما السلام فأى فائدة فى قوله {لن ترينى} وايضا فى عروجه عليه السلام الى ما فوق العرش فان تلك الرؤية انما تحصل فى مقام العينية الجمعية القلبية لان فى مقام الغيرية الفرقية فقال ان امر الرؤية وان كان محتاجا الى الانسلاخ التام عن الاكوان مطلقا الا ان الانسلاخ بالقلب والقالب مختص بنبينا عليه السلام فان موسى وكذا غيره من الانبياء عليهم السلام انما يرون بالانسلاخ حين كون قوالبهم فى عالم العناصر. واما محمد صلى الله عليه وسلم فقد تجاوز عن عالم العناصر ثم عن عالم الطبيعة وذلك بالقلب والقالب جميعا فانى يكون هذا لغيره فافهم جدا انتهى ما جرى بينى وبين حضرة الشيخ من السؤال والجواب وما تحاورناه فى المجلس الخاص المفتوح بابه للاحباب لا للاغيار واهل الانكار والارتياب وقد كان ذلك كالقطرة من البحر الزاخر بالنسبة الى ما يحويه قلبه الحاضر قدس الله سره ورزقنى وجميع الاحباب شفاعته.
قال مرجع طريقتنا الجلوتية بالجيم حضرة الشيخ الشهير بافتاده البروسوى كما ان للانسان عينين فى الظاهر كذلك له عينان فى قلبه فاذا انفتحتا يشاهد بهما تجلى الصفات ولهما ايضا حدقتان لكنهما فى غاية اللطافة وانما قلنا يشاهد بهما تجلى الصفات لان تجلى الذات لا يشاهد الا بعين معنوية وراء عين القلب لا حدقة لها لا كما زعمت الملاحدة والعياذ بالله تعالى فان الممكن الحقيقى غير الواجب الحقيقى كيف والسالك الواصل اذا افنى وجوده يصير معدوما والمعدوم لا يحكم عليه بشيء فضلا عن الحلول والاتحاد بل اذا عبر بالاتحاد يراد به التقرب التام على وفق رضاه تعالى كما يراد ذلك فى قولهم فلان متحد مع فلان اذ لا شك انهما شخصان مستقلان حقيقة ومعنى كونه معدوما اذ ذاك انه يتلاشى ويغيب فى بحر الاستغراق وانوار التجلى بحيث يغيب عن نظره ما سوى الله تعالى حتى ينظر ولا يجد نفسه للتوجه التام الى جنابه والاعراض الكلى عما سوى الله تعالى كمن جعل نظره الى جانب السماء لا ترى له الارض ومن نظر الى المشرق لايرى له المغرب لا انه يعدم وجوده الخارجى ويضمحل والانبياء عليهم السلام وان تجلى لهم الذات الا ان تعين نبينا فوق الكل حتى ان موسى لما سأل ربه التجلى عن تعين نبينا قال تعالى {لن ترانى} كذا اوله بعضهم وليس بشيء لانه عالم بمرتبة المصطفى صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبها فخاطب موسى {لن ترانى} لقطع طمع قومه حيث
{ فقالوا أرنا الله جهرة } [النساء: 153].
لانه اذا خوطب بذلك فهم اولى به فهذا فى الحقيقة ليس بالنسبة الى موسى عليه السلام فانه قد نال سعادة التجلى مرارا واصطفاه برسالته وبكلامه الى هنا كلام افتاده افندى كما فى الواقعات المحمودية.
وقال الشيخ على دده فى اسئلة الحكم.
فان قلت ما الحكمة الربانية فى منعة الرؤية فى الموطن الدنيوى.
قيل لان الرؤية غاية الكرامة فى الدنيا وغاية الكرامة فيها لا كرم الخلق وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود الذى شاهد ربه ليلة المعراج بعينى رأسه على هذا فابحث وقيل لو اعطاه الرؤية بالسؤال لكانت الرؤية مكافأة لسؤاله والرؤية فضل لا مكافأة وهى ربانية لا مدخل للسؤال والتعمل فيها فهى امتنان محض من الله تعالى.
قال الامام الواحدى كون كلمة لن مفيدة لتأبيد النفى دعوى باطلة علىاهل اللغة لا يشهد لصحتها كتاب معتبر ولا نقل صحيح ويدل على فساده قوله تعالى فى صفة اليهود
{ ولن يتمنوه أبدا } [البقرة: 95].
مع انهم يتمنون الموت يوم القيامة ويقولون فيه
{ يا مالك ليقض ربك } [الزخرف: 77] و { يا ليتها كانت القاضية } [الحاقة: 27].
اى الموت فالاخبار بان موسى لا يرى الله لا يدل على انه لا يراه ابدا كما ذهبت اليه المعتزلة: قال المولى الجامى

جهان مرآت حسن شاهدماست فشاهد وجهه فى كل ذرات

قال الحافظ

جو مستعد نظر نيستى وصال مجوى كه جام جم نكندسود وقت بى بصرى

{ولكن انظر الى الجبل} اى لا تطلب النظر الىّ فانك لا تطيقه ولكن اجعل بينى وبينك ما هو اقوى منك وهو الجبل الذى بحضرتك.
قال الكلبى هو اعظم جبل بمدين يقال له زبير وفى القاموس زبير كامير الجبل الذى كلم الله عليه موسى.
وقال ابن الجوزى فى مرآة الزمان والاصح انما خوطب موسى على جبل الطور الذى بقرب بحر القلزم فلما سمعت الجبال تعاظمت رجاء ان يتجلى لها وجعل زبير او الطور يتواضع فلما رأى الله تواضعه رفعه من بينها وخصه بالتجلى كذا فى عقد الدرر واللآلئ: وفى المثنوى

اى خنك آنراكه ذلت نفسه واى آن كزسر كشى شد جون كه او

وقال اهل الاشارة ان موسى عليه السلام لما اراد الخروج الى الميقات جعل بين قومه وبين ربه واسطة وهى الجبل فقال {لن ترانى ولكن انظر الى الجبل} فقال ان لم اصلح لخلافتك دون اخيك فانك لا تصلح لرؤيتى دون الجبل {فان استقر مكانه} اى سكن وثبت {فسوف ترينى} فسوف تطيق ان تنظر الىّ فان الجبل مع صلابته لما تأثر من التجلى ولم يطق ذلك بل اندك وتفتت وتلاشى فكيف يطيق الانسان الذى يدهش عند مشاهدة الامور الهائلة فكيف عند مشاهدة ذى العظمة والجلال المطلق الذى لا يوصف جلاله وكبرياؤه وهو دليل لنا ايضا لانه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على امكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه ألا ترى ان دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل قال { حتى يلج الجمل فى سم الخياط } [الأعراف: 40].
والدليل على انه ممكن قوله {جعله دكا} ولم يقل اندك وما اوجده تعالى كان جائزا ان لا يوجد لانه مختار فى فعله ولانه تعالى ما ايأسه من ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالا لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السلام بقوله
{ إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } [هود: 46].
حين سال انجاه ابنه من الغرق {فلما تجلى ربه للجبل} ظهر له عظمته وتصدى له اقتداره وامره ومعنى ظهور عظمته واقتداره للجبل تعلقها به وظهور أثرها فيه وانما حمل على هذا المعنى لأن ظهور ذاته للجماد غير معقول.
قال فى تفسير العيون كشف نوره من حجبه قدر ما بين الخنصر والابهام اذا جمعتهما اى اذا وضعت الابهام على المفصل الاعلى من الخنصر.
وعن سهل بن سعد الساعدى ان الله اظهر من سبعين الف حجاب نورا قدر الدرهم.
وفى التفسير الفارسى: يعنى [ظاهر كردانيد ازنور خود يا ازنور عرش بمقدار سوفار سوزنى].
وقال الشيخ ابو منصور معنى التجلى للجبل ما قال الاشعرى انه تعالى خلق فى الجبل حياة وعلما ورؤية حتى راى ربه وهذا ايضا فيه اثبات كونه مرئيا {جعله دكا} مصدر بمعنى المفعول اى صيره مدكوكا مفتتا واذا حل بالجبل ما حل مع عظم خلقه فما ظنك بابن آدم الضعيف كما فى تفسير الكواشى.
قال بعض الكبار جعل الله الجبل فداء لموسى ولولا ان موسى كان مدهوشا لذاب كما ذاب الجبل قالوا عذب اذ ذاك كل ماء وافاق كل مجنون وبرئ كل مريض وزال الشوك عن الاشجار واخضرت الارض وازهرت وخمدت نيران المجوس وخرت الاصنام لوجوههن وانقطعت اصوات الملائكة وجعل الجبل ينهدم وينهال ويضطرب من تحت موسى حتى اندق كله فصار ذرات فى الهواء والذر هو الذى يرى اذا دخل الشعاع فى الكوى بتلك الكوة.
وفى بعض التفاسير صار لعظمته ستة اجبل وقعت ثلاثة بالمدينة احد ورقان ورضوى وثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء.
وفى تفسير الحدادى فصار ثمانى فرق اربع قطع منه وقعن بمكة ثور وثبير وحراء وغار ثور واربع قطع وقعن بالمدينة احد ورقان ورضوى والمهراس.
وقال الحسن صار الجبل ثلاث فرق ساخت فرقة منه فى الارض وطارت فرقة فى البحر وطارت فرقة فوقعت بعرفات فهو شاحب مقشعر من مخافة الله تعالى.
وفى التفسير الفارسى [عجبت سريست كه كوه بآن عظمت تحمل ديدار نداشت ودل انسانرا بحكم "ولكن ينظر الى قلوبكم" طاقت آن نظر هست نكته درين آنست كه تجلى بركوه ينظر وهيبت بود وتجلى بردل بنظر رحمت آن نظر كوهرا ويران ساخت واين نظر دلرا معمور سازد].
والاشارة ان الجبل صورة الجسم الحجابى والجسم غير مستعد للتجلى ما لم يندك وينحل بالرياضة والفناء وانما التجلى للروح فى مقام القلب والجبل صورة التحيز الكونى والحصر الجمسانى ومشهد التجلى غير متحيز والسر فافهم وعليه فابحث كذا فى اسئلة الحكم {وخر موسى صعقا} اى سقط مغشيا عليه من هول ما رأى من عشية الخميس وهو يوم عرفة الى عشية يوم الجمعة وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما.
وقال قتادة ميتا وقول ابن عباس اظهر لان الله تعالى قال {فلما افاق} ولا يقال للميت افاق من موته ولكن يقال بعث من موته كما قال فى حديث السبعين {فلما افاق} ولا يقال للميت افاق من موته ولكن يقال بعث من موته كما قال فى حديث السبعين
{ ثم بعثناكم من بعد موتكم } [البقرة: 56] وفى المثنوى

جسم خاك از عشق بر افلاك شد كوه در رقص آمد وجالاك شد
عشق جان طور آمد عاشقا طور مست وخرّ موسى صعقا

قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره الجبل المذكور وان احترق ظاهره ولكن له وجود معنوى كان ذلك لعلا خالصا بانعكاس التجلى من موسى ولذلك رآه كالعلل وكالمه وذلك الجبل يدخل الجنة وان كان من الدنيا بسبب كونه مظهرا للتجلى كما ان الكعبة ومسجد المدينة وبيت المقدس تدخل الجنة {فلما افاق} من صعقته.
قال المولى ابو السعودرحمه الله الافاقة رجوع العقل والفهم الى الانسان بعد ذهابهما بسبب من الاسباب {قال} تعظيما لما شاهده {سبحانك} اى تنزيها لك من ان اسألك بغير اذن منك {تبت اليك} اى من الجراءة والاقدام على السؤال بغير ازن او من السؤال فى الدنيا فانك انما وعدتها فى الآخرة {وانا اول المؤمنين} اى بعظمتك وجلالك واول من آمن بانك لا ترى فى الدنيا [اى كه زيك لمعه ات كوه بصدد باره شد جه عجب ازمشت كل عاجز وبيجاره شد].
قال وهب بن اسحق لما سأل موسى ربه الرؤية ارسل اليه الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق واحاطت بالجبل الذى عليه موسى اربعة فراسخ من كل جانب وامر الله عز وجل ملائكة السموات ان يعرضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع افواههم بالتسبيح والتقديس باصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم امر الله ملائكة السماء الثانية ان اهبطوا على موسى فهبطوا عليه امثال الاسود ولهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع موسى مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة فى رأسه وجسده ثم قال لقد ندمت على مسالتى فهل ينجينى من مكانى الذى انا فيه شيء فقال له خير الملائكة ورأسهم يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم امر الله ملائكة السماء الثالثة ان اهبطوا على موسى فهبطوا عليه امثال النسور لهم لجب شديد وافواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلبة الجيش العظيم الوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد نفسه وايس من الحياة وقال له خير الملائكة مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملائكة السماء الرابعة فهبطوا الوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الابيض اصواتهم عالية مرتفعة بالتسبيح والتقديس لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلخك فاصطكت ركبتاه وارتعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له رئيس الملائكة اصبر يا ابن عمران لما سألت فقليل من كثير ما أريت ثم امر الله ملائكة السماء الخامسة فهبطوا ولهم سبعة الوان فلم يستطع موسى ان يتبعهم بصره ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل اصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملائكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملائكة السماء السادسة فهبطوا وفى يد كل ملك منهم نار مثل النخلة الطويلة اشد ضوأ من الشمس ولباسهم كلهب النار كلهم يقولون بشدة اصواتهم سبوح قدوس رب العزة ابدا لا يموت فى رأس كل ملك منهم اربعة اوجه فجعل يسبح موسى معهم وهو يبكى ويقول رب اذكرنى ولا تنس عبدك فقال كبير الملائكة يا ابن عمران اصبر لما سالت ثم امر الله ان يحمل عرشه فى السماء السابعة وقال اروه اياه فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ورفعت ملائكة السموات جميعا اصواتهم يقولون سبحان الله القدوس رب العزة ابدا لا يموت فاندك الجبل وكل شجرة كانت فيه وخر موسى على وجهه ليس معه روح فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه وقلب الحجر الذى عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ثم اقامه كما تقيم الام جنينها اذا وضعته فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك رب وصدقت انه لا يراك احد فى الدنيا فيحيى من نظر الى ملائكتك انخلع قلبه فما اعظمك واعظم ملائكتك انت رب الارباب وملك الملوك لا يعد لك شيء ولا يقوم لك شيء تبت اليك الحمد لك لا شريك لك.
قال فى التيسير قدروى فى هذا احاديث فيها ذكر فيها ذكر نزول الملائكة والتعنيف على موسى بما سأل ولكن ليس ورودها على وجه يصح ولا يجوز قبولها لانها لا تليق بحال الانبياء انتهى.
قال بعض المحققين من ارباب المكاشفة ان موسى عليه السلام طلب رؤية ذاته تعالى مع هوية نفسه حيث قال{رب ارنى انظر اليك} مشيرا الى هويته بصيغة المتكلم فرد الله تعالى بقوله {لن ترينى اى مع بقاء هويتك التى تخاطب بها {ولكن انظر الى الجبل} اى بذاتك وهويتك {فان استقر مكانه} ولم يكن فانيا {فسوف ترينى} بهويتك {فلما تجلى ربه للجبل} اى القى عليه من نوره فاضطرب بدنه من رهبته {جعله دكا وخر موسى صعقا} وفنى عن هويته فراى الحق بعين الحق {فلما أفاق قال سبحانك تبت} الان من مسألة الرؤية مع بقاء الهوية.
وقال فى التأويلات النجمية {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} يعنى ولما حصل على بساط القرب تتابع عليه كاسات الشراب من صفو الصفات ودارت اقداح المكالمات واثر فيه لذا ذات الكلمات فطرب واضطرب اذ سكر من شراب الواردات وتساكر من سماع الملاطفات فى المخاطبات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه وعند استيلاء سلطان الشوق وغلبات دواعى المحبة فى الذوق {قال رب ارنى انظر اليك} قيل هيهات انت فى بعد الاثنينية منكوب وبحجب جبل الانانية محجوب وانك اذا نظرت بك الى {لن ترينى} لانه لا يرانى الا من كنت له بصرافبى يبصر {ولكن انظر} الى الجبل جبل الانانية {فان استقر مكانه} عند التجلى {فسوف ترينى} ببصرانانيتك {فلما تجلى ربه للجبل} جبل انانيته {جعله دكا} فانيا كان لم يكن {وخر موسى صعقاْ بلا انانية وكان ما كان بعد ان بان ما بان فاشرقت الارض بنور ربها وجاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا

قد كان ما كان سرا لا ابوح به فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

ولو لم يكن جبل انانية النفس بين موسى الروح وتجلى الرب لطاش فى الحال وما عاش ولولا القلب كان خليفته عند الفناء بالتجلى لما امكنه الافاقة والرجوع الى الوجود فافهم جدا ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلى تفهم ان شاء الله تعالى {فلما افاق} من غشية الانانية بسطوة تجلى الربوبية {قال} موسى بلا هويته {سبحانك} تنزيها لك من خلقك واتصال الخلق بك {تبت} من انانيتى {اليك} الى هويتك بك {وانا اول المؤمنين} بانك لا ترى بالانانية ولا ترى الا بنور هويتك بك انتهى.
وقال القشيرى {ولما جاء موسى} مجيئ المشتاقين ومجيئ المغلوبين جاء موسى بلا موسى ولم يبق من موسى لموسى وآلاف آلاف رجال قطعوا مسافات وتحملوا مخافات فلم يذكرهم احد وهذا موسى خطى خطوات والى يوم القيامة يقرأ الصبيان ولما جاء موسى لميقاتنا باسطه الحق بالكلام فلم يتمالك ان {قال رب ارنى انظر اليك} فان غلبات الوجد استنطقته بكمال الوصلة من الشهود وقالوا لا يؤاخذ المغلوب بما يقول وقالوا انه لا يشكر ثم ينكر قال واشد الخلق شوقا الى الحبيب اقربهم من الحبيب هذا موسى وقف فى محل المناجاة وحفت به الكرامات وكلمه بلا واسطة ولا جهات {قال رب ارنى انظر اليك} كأنه غائب هو شاهد لكن ما ازداد القوم شربا الا ازدادوا عطشا ولا ازدادوا قربا الا ازدادوا شوقا وقال سأل موسى الرؤية بالكلام فاجيب {لن ترينى} بالكلام واسر المصطفى فى قلبه ما كان يرجوه من تحويل القبلة من ربه فقيل له
{ قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144].
وقال انه سأل الله الرؤية فقال {لن ترينى} وقال للخضر
{ هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا قال انك لن تستطيع معى صبرا } [الكهف: 66-67].
فصار جوابه لن من الحق ومن الخلق ليبقى موسى بلا موسى ويصفو موسى عن كل نصيب لموسى بموسى وانشد فى معناه فقيل

ابنى ابينا نحن اهل منازل ابدا غراب البين فينا يزعق

والبلاء الذى ورد عليه بقوله تعالى {فان استقر مكانه فسوف ترينى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} اشد من قوله {لن ترينى} لانه صريح فى الرؤية وفى اليأس راحة وقوله {فان استقر مكانه فسوف ترينى} هذا اطماع فيما يمنعه فلما اشتد توقعه جعل الجبل دكا وكان قادرا على امساك الجبل لكنه قهر الاحباب وبه سبق الكتاب وفى قوله {انظر الى الجبل} بلاء شديد لموسى لانه منع عن رؤية مقصوده وامر برؤية غيره ولو امر بان يغمض عينيه لا ينظر الى شيء بعده لكان الامر اسهل عليه ولكنه قيل له {لن ترينى ولكن انظر الى الجبل} ثم اشد من ذلك ان الجبل اعطى التجلى ثم امر موسى عليه السلام بالنظر الى الجبل الذى قدم عليه فى هذا السؤال وهذا صعب شديد ولكن موسى رضى به وانقاد لحكمه وفى معناه انشدوا

اريد وصاله ويريد هجرى فاترك ما اريد لما يريد

وقيل بل هو لطف به حيث لم يصرح برده بل علله عونا له على صبره.
وقيل قددنا اصبر قليلا قليلا ولما منع النظر رجع الى رأس الامر فقالت تبت اليك ان لم تكن الرؤية التى هى غاية الرتبة من رأس الامر وهو التوبة ثم هذا اناخه لعقوق العبودية وشرطها ان لا تبرح عن محل الخدمة ان حال بينك وبينى وجود القربة لان القربة حظ نفسك والخدمة حق ربك ولأن تكون بحق ربك اتم من ان تكون بحظ نفسك كذا فى تفسير التيسير نقد عن االقشيرى.
ذكر بعضهم ان رؤية الله تعالى ممكنة فى الدنيا.
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى الرؤية فى الآخرة موعودة واما فى الدنيا وان كانت فى حيز الامكان لكنها غير موعودة ولم تجر عادة الله عليها انتهى.
وقد ذكرنا موانع الرؤية فى سورة البقرة وانواع الرؤية فى سورة الانعام.
وفى الواقعات المحمودية سال بعض الكبار من العلماء وقال الذى لا زمان له ولا مكان فى أى مكان والادب فى السؤال ان يقال المنزه ذاته عن الزمان والمكان بأى وجه يطلب وبأى طريق يوجد ويوصل اليه وكذا الادب فى الجواب ان يقال من اراد رؤية جماله فلينظر فى قلوب اوليائه فان قلوبهم مظاهر ومرايا لجماله.
واعلم ان المعتزلة انكروا رؤية الله تعالى حتى قال صاحب الكشاف تشنيعا وتقبيحا وتضليلا لاهل السنة والجماعة ثم تعجب من المتسمين بالاسلام المتسمين باهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فانه من مصوبات اشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم

لجماعة سموا هواهم سنة لكنهم حمر لعمرى مؤكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة

وقال بعضهم جوابا عنهم

عجبا لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمرى معرفه
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفى الصفة

قال المولى ابراهيم الاروسقى

رضينا كتاب الله للفصل بيننا وقول رسول الله اوضح فاصل
وتحريف آيات الكتاب ضلالة وليس بعدل رد نص الدلائل
وتضليل اصحاب الرسول وذمهم وتصويب آراء النظام وواصل
ولولا تكذيب الرسول عدالة فاعدل خلق الله عاص بن وائل
فلولاك جار الله من فرقة الهوى لكنت جديرا باجتماع الفضائل