التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
٢٥
ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
-التوبة

روح البيان في تفسير القرآن

{لقد نصركم الله} اى بالله قد اعانكم يا اصحاب محمد على عدوكم واعلاكم عليهم مع ضعفكم وقة عددكم وعددكم {فى مواطن كثيرة} من الحروب وهو مواقعها ومقاماتها. جمع موطن وهو كل موضع اقام به الانسان لأمر والمراد بها واقعات بدر والاحزاب وقريظة والنضير والحديبية وخبير وفتح مكة {ويوم حنين} عطف على محل فى مواطن بحذف المضاف فى احدهما اى وموطن يوم حنين ليكون من عطف المكان على المكان او فى ايام مواطن كثيرة ويوم حنين ليكون من عطف الزمان وعلى الزمان واضيف اليوم الى حنين لوقوع الحرب يومئذ بها فيوم حنين هى غزوة حنين ويقال لها غزوة هوازن ويقال لها غزوة اوطاس باسم الموضع الذى كانت به الواقعة فى آخر الامر وحنين واد بين مكة والطائف {اذا أعجبتكم كثرتكم} [جون بشكفت آوردشمارا] اى سرتكم كثرة عددكم ووفور عددكم والاعجاب هو السرور بالتعجب وهو بدل من يوم حنين وكانت الواقعة فى حنين بين المسلمين وهم اثنا عشر الفا عشرة آلاف منهم ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والانصار والفان من الطلقاء وهم اهل مكة سوا بذلك لانه عليه السلام اطلقهم يوم فتح مكة عنوة ولم يقيدهم بالاسار وبين هوازن وثقيف وكانوا اربعة آلاف سوى الجم الغفير من امداد سائر العرب -روى- انه عليه السلام فتح مكة فى اواخر رمضان وقد بقيت منه ثلاثة ايام وقيل فتحها لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان ومكث فيها الى ان دخل شوال فغذا يوم السبت السادس منه خارجا الى غزوة حنين واستعمل على مكة عتاب بن اسيد يصلى بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه وحين فتحت مكة اطاعه عليه السلام قبائل العرب الا هوازن وثقيفا فان اهلهما كانوا طغاة مردة فخافوا الى ان يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا انه عليه الصلاة والسلام يدعوهم الى الاسلام فثقل ذلك عليهم فحشدوا وبغوا وقالوا ان محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال فاجمعوا امرهم على ذلك فاخرجوا معهم اموالهم ونساءهم وابناءهم وراءهم فحملوا النساء فوق الابل وراء صفوف الرجال ثم جاؤا بالابل والغنم والذرارى وراء ذلك كى يقاتل كل منهم عن اهله وماله ولا يفر احد بزعمهم فساروا كذلك حتى نزلوا باوطاس وقد كان عليه السلام بعث اليهم عينا ليتجسس عن حالهم وهو عبد الله بن ابى حذر من بنى سليم فوصل اليهم فسمع مالك بن عوف امير هوازن يقول لاصحابه انتم اليوم اربعة آلاف رجل فاذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا جفون سيوفكم فوالله لا تضربون باربعة آلاف سيف شيئاً الا فرج فاقبل العين الى النبى عليه السلام فاخبره بما سمع من مقالتهم فقال سلمة ابن سلامة الوقسى الانصارى يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة معناه بالفارسية [ما امروز از قلت لشكر مغلوب نخواهم شد] فساءت رسول الله كلمته وقيل ان هذه الكلمة قالها ابو بكر رضى الله عنه وقيل قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الامام صاحب التفسير الكبير وهو بعيد لانه عليه السلام كان فى اكثر الاحوال متوكلا على الله منقطع القلب عن الدنيا واسبابها
قال ابن الشيخ فى حواشيه الظاهر ان القول بها لا ينافى التوكل على الله ولا يستلزم الاعتماد على الاسباب الظاهرة فان قوله لن نغلب اليوم من قلة نفى للقلة واعجاب بالكثرة. والمعنى ان وقعت مغلوبية فلامر آخر غير القلة فركب صلى الله عليه وسلم بغلته دلدل ولبس درع داود عليه السلام التى لبسها حين قتل جالوت ووضع الألوية والرايات مع المهاجرين والانصار فلما كان بحنين وانحدروا فى الوادى وذلك عند غبش الصبح يوم الثلاثاء خرج عليهم القوم وكانوا كمنوا لهم فى شعاب الوادى ومضايقه وكانوا رماة فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون وخلوا الذرارى فاكب المسلمون فتنادى المشركون يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا وحملوا عليهم فادركت المسلمين كلمة الاعجاب اى لحقهم شؤم كلمة الاعجاب فانكشفوا ولم يقوموا لهم مقدار حلب شاة وذلك قوله تعالى {فلم تغن عنكم شيئاً} [بس دفع نكرد ازشما آن كثرت شما]
والاغناء اعطاء ما تدفع به الحاجة اى لم تعطكم تلك الكثرة مما تدفعون به حاجتكم شيئاً من الاغناء {وضاقت عليكم الارض بما رحبت} اى رحبها وسعتها على ان ما مصدرية والباء بمعنى مع اى لا تجدون فيها مقرا تطمئن اليه نفوسكم من شدة الرعب ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه: قال الشاعر

كان بلاد الله وهى عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل

اى حبالة صيد {ثم وليتم} الكفار ظهوركم {مدبرين} اى منهزمين لا تلوون على احد يقال ولى هاربا اى ادبر. فالادبار الذهاب الى خلف خلاف الاقبال -روى- انه بلغ فلهم اى منهزمهم مكة وسر بذلك قوم من اهل مكة واظهروا الشماتة حتى قال اخو صفوان ابن امية لامه ألا قد ابطل الله السحر اليوم فقال له صفوان وهو يومئذ مشرك اسكت فض الله فاك اى اسقط اسنانك والله لان يربنى الربوبية اى يملكنى ويدبر امرى رجل من قريش احب الى من ان يربنى رجل من هوازن ولما انهزموا بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وليس معه الا عمه العباس آخذا بلجام بغلته وابن عمه ابو سفيان بن حرب بن عبد المطلب اخذا بركابه وهو يركض البغلة نحو المشركين ويقول

انا النبى لا كذب انا ابن عبد المطلب

وهذا ليس بشعر لانه لم يقع عن قصد وانما قال انا ابن عبد المطلب ولم يقل انا ابن عبدالله لان العرب كانت تنسبه صلى الله عليه وسلم الى جده عبد المطلب لشهرته ولموت عبدالله فى حياته فليس من الافتخار بالآباء الذى هو من عمل الجاهلية.
وقال الخطابى انه عليه السلام انما قال انا ابن عبد المطلب لا على سبيل الافتخار ولكن ذكرهم عليه السلام بذلك رؤيا رآها عبد المطلب ايام حياته وكانت القصة مشهورة عندهم فعرفهم بها وذكرهم اياها وهى احدى دلائل نبوته عليه السلام.
وقصة الرؤيا على ما فى عقد الدرر واللآلى ان عبد المطلب جد النبى عليه السلام بينا هو نائم فى الحجر انتبه مذعورا قال العباس فتبعته وانا يومئذ غلام اعقل ما يقال فاتى كهنة قريش فقال رأيت كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهرى ولها اربعة اطراف طرف قد بلغ مشارق الارض وطرف قد بلغ مغاربها وطرف قد بلغ عنان السماء وطرف قد جاوز الثرى فبينا انا انظر عادت شجرة خضراء لها نوا فبينا انا كذلك قام على شيخان فقلت لاحدهما من انت قال انا نوح نبى رب العالمين وقلت للآخر من انت قال انا ابراهيم خليل رب العالمين ثم انتبهت قالوا ان صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك نبى يؤمن به اهل السموات واهل الارض ودلت السلسلة على كثرة اتباعه وانصاره لتداخل حلق السلسلة ورجوعها شجرة يدل على ثبات امره وعلوذ كره وسيهلك من لم يؤمن به كما هلك قوم نوح وستظهر به ملة ابراهيم والى هذا وقعت اشارة النبى صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال

انا النبى لا كذب انا ابن عبد المطلب

كانه يقول انا ابن صاحب تلك الرؤيا مفتخرا بها لما فيها من علم نبوته وعلو كلمته انتهى - روى- انه عليه السلام كان يحمل على الكفار فيفرون ثم يحملون عليه فيقف لهم فعل ذلك بضع عشرة مرة قال العباس كنت اكف البغلة لئلا تسرع به نحو المشركين وناهيك بهذا شهادة على تناهى شجاعته حيث لم يخف اسمه فى تلك الحال ولم يخف الكفار على نفسه وما ذلك الا لكونه مؤيدا من عند الله العزيز الحكيم فعند ذلك قال "يارب ائتنى بما وعدتنى وقال للعباس وكان صيتا جهورىّ الصوت صح بالناس" يروى من شدة صوته انه اغير يوما على مكة فناداه واصباحاه فاسقطت كل حامل سمعت صوته وكان صوته يسمع من ثمانية اميال فنادى الانصار فخذا فخذا ثم نادى يا اصحاب الشجرة وهم اهل بيعة الرضوان يا اصحاب سورة البقرة وهم المذكورون فى قوله { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } [البقرة: 285] وكانوا يحفظون سورة البقرة ويقولون من حفظ سورة البقرة وآل عمران فقد جد فينا فكروا عنقا واحدا اى جماعة واحدة يعنى دفعة وهم يقولون لبيك لبيك وذلك قوله تعالى {ثم انزل الله سكينته على رسوله} اى رحمته التى تسكن بسببها القلوب وتطمئن اليها اطمئنانا كليا مستتبعا للنصر القريب واما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له عليه السلام قبل ذلك ايضا {وعلى المؤمنين} شامل للمنهزمين وغيرهم فعاد المنهزمون وظفروا {وأنزل جنودا لم تروها} اى بابصاركم كما يرى بعضكم بعضا وهم الملائكة عليهم البياض على خيول بلق وكان يراهم الكفار دون المؤمنون "فنظر النبى عليه السلام الى قتال المشركين فقال هذا حين حمى الوطيس والوطيس حجارة توقد العرب تحتها النار يشوون عليها اللحم وهو فى الاصل التنور وهذه من الكلمات التى لم تسمع الا منه صلى الله عليه وسلم. وحمى الوطيس كناية عن شدة الحرب ثم نزل عن بغلته وقيل لم ينزل بل قال يا عباس ناولنى من الحصباء او انخفضت بغلته حتى كادت بطنها تمس الارض ثم قبض قبضة من تراب فرمى به نحو المشركين وقال شاهت الوجوه فلم يبق منهم احد الا امتلأت به عيناه ثم قال عليه السلام انهزموا ورب الكعبة" وهو اعظم من انقلاب العصا حية لان ابتلاعها لحبالهم وعصيهم لم يقهر العدو ولم يتشتت شمله بل زاد بعدها طغيانه وعتوه على موسى بخلاف هذا الحصى فانه اهلك العدو وشتت شمله وكان من دعائه عليه السلام يومئذ "اللهم لك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان" فقال له جبريل عليه السلام لقد لقنت الكلمات التى لقنها الله موسى يوم فلق البحر. واختلفوا فى عدد الملائكة يومئذ فقيل خمسة آلاف وقيل ثمانية آلاف وقيل تسعة عشر الفا. وفى قتالهم ايضا فقيل قاتلوا وقيل لم يقاتلوا الا يوم بدر وانما كان نزولهم لتقوية قلوب المؤمنين بالقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك والقاء الرعب فى قلوب المشركين {وعذب الذين كفروا} بالقتل والاسر والسبى {وذلك} اى ما فعل بهم مما ذكر {جزاء الكافرين} فى الدنيا.
ولما هزم الله المشركين بوادى حنين ولوا مدبرين ونزلوا باوطاس وبها عيالهم واموالهم فبعث رسول الله رجلا من الاشعرين يقال له ابو عامر وامره على جيش الى اوطاس فسار اليهم فاقتتلوا وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم وهرب اميرهم مالك بن عوف فاتى الطائف وتحصن بها واخذوا اهله وماله فيمن اخذ وقتل امير المؤمنين ابو عامر ثم انه عليه السلام اتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم فاتى الجعرانة وهو موضع بين مكة والطائف سمى المحل باسم امرأة وهى ريطة بنت سعد وكانت تلقب بالجعرانة وهى المرادة فى قوله تعالى
{ كالتى نقضت غزلها } [النحل: 52] فاحرم منها بعمرة بغد ان قام بها ثلاث عشرة ليلة وقال اعتمر منها سبعون نبيا وقسم بها غنائم حنين واوطاس وكان السبى ستة آلاف رأس والابل اربعة وعشرين الفا والغنم اكثر من اربعين واربعة آلاف اوقية فضة وتألف اناسا فجعل يعطى الرجل الخمسين والمائة من الابل ولما قسم ما بقى خص كل رجل اربع من الابل واربعون شاة فقال طائفة من الانصار ياللعحب ان اسيافنا تقطر من دمائهم وغنائمنا ترد عليهم فبلغ ذلك النبى عليه السلام فجمعهم فقال "يا معشر الانصار ما هذا الذى بلغنى عنكم فقالوا هو الذى بلغك وكانوا لا يكذبون فقال الم تكونوا ضلالا فهداكم الله بى وكنتم اذلة فأعزكم الله بى اما ترضون ان ينقلب الناس بالشاء والابل وتنقلبون برسول الله الى بيوتكم فقالوا بلى رضينا يا رسول الله والله ما قلنا ذلك الا محبة لله ولرسوله فقال صلى الله عليه وسلم ان الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم." .